تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
ربّنا باعد بين أسفارنا حتى يظهر عزمنا وقوتنا ، وظلموا أنفسهم بذلك ، ففرقناهم عنا كل تفريق ، وعوّقناهم عن السير كل تعويق ، ليكون ذلك آية وعبرة لمن بعدهم ، فلا يخرجون عن مقام الاستضعاف والمسكنة ، والانكسار والذلة « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى » . وسبب الحرمان هو إبليس ، كما قال تعالى :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 20 إلى 21 ]

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ صَدَّقَ
« 1 »
عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ
، الضمير في « عليهم » لكفار سبأ وغيرهم . وكأن إبليس أضمر في نفسه حين أقسم :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *
« 2 » أنه يسلط عليهم ، وظن أنه يتمكن منهم ، فلما أغواهم وكفروا صدق ظنه فيهم . فمن قرأ بالتخفيف ف « ظنه » : ظرف ، أي : صدق في ظنه . ومن قرأ بالتشديد فظنه مفعول به ، أي : وجد ظنه صادقا عليهم حين كفروا
فَاتَّبَعُوهُ
أي : أهل سبأ ومن دان دينهم ،
إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
، قللهم بالإضافة إلى الكفار ، قال تعالى :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
« 3 » وفي الحديث : « ما أنتم في أهل الشرك إلا كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود » « 4 » .
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ
أي : ما كان لإبليس على من صدق ظنه عليهم من تسلط واستيلاء بالوسوسة ،
إِلَّا لِنَعْلَمَ
موجودا ما علمناه معدوما
مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ
أي : إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا تنجيزيا ، يترتب عليه الجزاء ، أو : ليتميز المؤمن من الشاك ، أو : ليؤمن من قدّر إيمانه ، ويشك من قدر ضلاله .
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
؛ محافظ رقيب ، وفعيل ومفاعل أخوان . الإشارة : كل من لم يصل إلى حضرة العيان صدق عليه بعض ظن الشيطان ؛ لأنه لما رأى بشرية آدم مجوفة ، ظن أنه يجرى معه مجرى الدم ، فكل من لم يسد مجاريه بذكر اللّه ، حتى يستولى الذكر على بشريته ، فيصير قطعة من نور ، فلا بد أن يدخل معه بعض وساوسه ، ولا يزال يتسلط على قلب ابن آدم ، حتى يدخل حضرة
هامش
( 1 ) قرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي « صدّق » بتشديد الدال . وقرأ الباقون بالتخفيف . انظر الإتحاف ( 2 / 386 ) . ( 2 ) من الآية 82 من سورة ص . ( 3 ) من الآية 17 من سورة الأعراف . ( 4 ) أخرجه مطولا البخاري في ( الرقاق ، باب الحشر ، ح 6528 ) ومسلم في ( الإيمان ، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة 1 / 200 ، ح 221 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه .