تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
قال القشيري :
وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ . .
الآية ، كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال ، واتصال من التوفيق ، وطيب من القلب ، ومساعدة من الوقت ، فيرتكب زلّة ، أو يتبع شهوة ، ولا يعرف قدر ما يفوته فيفتر عليه الحال ، فلا وقت ولا حال ، ولا قرب ولا وصال ، يظلم عليه النهار ، بعد أن كانت لياليه مضيئة . وأنشدوا :
ما زلت أختال في زماني * حتى أمنت الزمان مكره
طال علينا الصدود حتى * لم يبق مما شهدت ذرّه « 1 »
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا . .
الآية : ما عوقبوا إلا بما استوجبوا ، وما سقوا إلّا ما أفيضوا ، ولا وقعوا إلّا في الوهدة التي حفروا ، وما قتلوا إلا بالسيف الذي صنعوا . ه . ثم ذكر سبب تمزيقهم ، فقال :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 18 إلى 19 ]

وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) يقول الحق جل جلاله :
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ
أي : بين سبأ
وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها
بالتوسعة على أهلها بالنعم والمياه ، وهي قرى الشام ،
قُرىً ظاهِرَةً
؛ متواصلة يرى بعضها من بعض ؛ لتقاربها ، فهي ظاهرة لأعين الناظرين ، أو : ظاهرة للسّابلة ، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم ، وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة ، من سبأ إلى الشام ،
وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ
أي : جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم ، يقيل المسافر في قرية ، ويروح إلى أخرى ، إلى أن يبلغ الشام . وقلنا لهم :
سِيرُوا فِيها
، ولا قول هناك ، ولكنهم لمّا تمكنوا من السير ، ويسّرت لهم أسبابه ، فكأنهم أمروا بذلك ، فقيل لهم : سيروا في تلك القرى
لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
أي : سيروا فيها إن شئتم بالليل ، وإن شئتم بالنهار ، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات ، أو : سيروا فيها آمنين لا تخافوا عدوا ، ولا جوعا ، ولا عطشا ، وإن تطاولت مدة سيركم ، وامتدت أياما وليالي . فبطروا النعمة ، وسئموا العافية ، وطلبوا الكدر والتعب .
هامش
( 1 ) الأبيات بنحوها في لطائف الإشارات ( 3 / 181 ) ، وجاءت في شرح أسماء اللّه الحسنى / 173 مسبوقة ببيت ، هو :يا سائلى كيف كنت بعده ؟ * لقيت ما ساءنى وسره