تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
يقول الحق جل جلاله :
نَبِّئْ
: أخبر ،
عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
لمن آمن بي ، وصدق رسلي ،
وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ
لمن كفر بي ، وجحد رسلي ، أو بعضهم . قال البيضاوي : هي فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد ، وتقرير له ، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين متقى الذنوب بأسرها ، كبيرها وصغيرها ، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب - أي : لم يقل وأنا المعذب المؤلم - ترجيح الوعد . ه . وذكر ابن عطية أن سبب نزولها : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه ، عند باب بنى شيبة في الحرم ، فوجدهم يضحكون ، فزجرهم ووعظهم ، ثم ولى ، فجاءه جبريل عن اللّه ، فقال : يا محمد أتقنّط عبادي ؟ وتلى عليه الآية ، فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم وأعلمهم « 1 » . ه . ثم قال : ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها ؛ إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر ما في الجنة ، فأكّد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية . ه . قيل : وهذه الآية أبلغ ما في القرآن في إثارة الخوف والرجاء ، من الآي التي لا تشبهها في الإجمال ؛ لما فيها من التصريح ، ثم الرجاء فيها أغلب ؛ لأجل التقديم ، مع ذكره في آية الرجاء ، لصفاته العلية وأسمائه الحسنى ، وذلك يؤذن بالتهمم به وترجيحه ، وهو مذهب الصوفية في حال الحياة والممات . الإشارة : الخوف والرجاء يتعاقبان على الإنسان ، فتارة يغلب عليه الخوف ، وتارة يغلب عليه الرجاء . هذا قبل الوصول ، وأما بعد الوصول فالغالب عليهم الاعتدال ، قال في التنبيه : أما العارفون الموحدون فإنهم على بساط القرب والمشاهدة ، ناظرون إلى ربهم ، فانون عن أنفسهم ، فإذا وقعوا في ذلة ، أو أصابتهم غفلة ، شهدوا تصريف الحق تعالى لهم ، وجريان قضائه عليهم . كما أنهم إذا صدرت منهم طاعة ، أو لاح منهم لائح من يقظة ، لم يشهدوا في ذلك أنفسهم ، ولم يروا فيها حولهم ولا قوتهم ؛ لأن السابق إلى قلوبهم ذكر ربهم ، فأنفسهم مطمئنة تحت جريان أقداره ، وقلوبهم ساكنة بما لاح لهم من أنواره ، ولا فرق عندهم بين الحالين ؛ لأنهم غرقى في بحار التوحيد ، قد استوى خوفهم ورجاؤهم ، فلا ينقص من خوفهم ما يجتنبونه من العصيان ، ولا يزيد في رجائهم ما يأتون من الإحسان . ه . قلت : بل طرق الرجاء عندهم أرجح ، كما تقدم ؛ لأن الرجاء ناشئ عن غلبة المحبة ، وهي غالبة . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه الطبري في تفسيره ( 14 / 102 ) عن رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذكره الواحدي في أسباب النزول ( 283 ) بدون سند .