تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
وَ
قد
ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ
من أحوالهم ، أي : بيّنا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب ، أو بيّنا لكم صفات ما فعلوا ، وما فعل بهم ، التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة . الإشارة : كما أمهل سبحانه الظالمين إلى دار الشدائد والأهوال ، أمهل عباده الصالحين إلى دار الكرامة والنوال ؛ لأن هذه الدار لاتسع ما أراد أن يعطيهم من الخيرات ؛ لأنها ضيقة الزمان والمكان ، فقد أجلّ مقدارهم أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ، وتلك الدار باقية لا نفاد لها ، ففيها يتمحض الجمال والجلال . فبقدر ما ينزل على أهل الجلال من الأهوال ينزل على أهل الجمال من الكرامة والنوال . وتأمل ما تمناه أهل الجلال حين نزلت بهم الأهوال من قولهم : ( ربنا أخّرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ) ، ثم بادر إلى إجابة الداعي ، واتباع الرسول الهادي ، في كل ما جاء به من الأوامر والنواهي ، واعتبر بمساكن الذين ظلموا أنفسهم ، كيف فعل بهم الزمان ؟ وكيف غرتهم الأماني وخدعهم الشيطان ، حتى أسكنهم دار الذل والهوان ؟ فشد يدك على الطاعة والإحسان ، والشكر للّه على الهداية لنعمة الإسلام والإيمان ، وعلق قلبك بمقام الإحسان ؛ فإن اللّه يرزق العبد على قدر نيته . وباللّه التوفيق . ثم ذكر ما فعل بأهل المكر والخذلان ، فقال :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 46 إلى 52 ]

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ( 47 ) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 ) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 51 ) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 52 ) قلت : ( وإن كان مكرهم ) ؛ « إن » نافية ، واللام للجحود ، ومن قرأ « لّتزول » ؛ بفتح اللام ، فإن مخففة ، واللام فارقة ؛ و ( يوم تبدل ) : بدل من ( يوم يأتيهم ) ، أو ظرف للانتقام ، أو مقدر باذكر ، أو ( بمخلف وعده ) . ولا يجوز أن ينتصب بمخلف ؛ لأن ما قبل « إن » لا يعمل فيما بعدها . و ( السماوات ) : عطف على ( الأرض ) ، أي : وتبدل السماوات . يقول الحق جل جلاله :
وَقَدْ مَكَرُوا
بك يا محمد
مَكْرَهُمْ
الكلى ، واستفرغوا جهدهم في إبطال الحق وتقرير الباطل ،
وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ
أي : مكتوب عنده فعلهم ، فيجازيهم عليه . أو عند اللّه ما يمكرهم به