تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
حقّك ، لا لطلب حظوظهم . ويقال : اكتفى بأن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعيمهم . ثم قال : قوله :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
أي : أسكنتهم هذا الوادي ، ولا متعلق من الأغيار لقلوبهم ، ولا متناول لأفكارهم وأسرارهم ، فهم مطروحون ببابك ، مقيمون بحضرتك ، جار فيهم حكمك ، إن راعيتهم كفيتهم ، وكانوا أعزّ خلق اللّه ، وإن أقصيتهم وأوبقتهم كانوا أضعف وأذلّ خلقك . ه . وقوله تعالى :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
: قال القشيري : ليشتغلوا بعبادتك ، فأفرّد قوما يقومون لهم بكفايتهم ، وارزقهم من الثمرات ، فإنّ من قام بحقّ اللّه قام اللّه بحقّه . فاستجاب اللّه دعاءه فيهم ، فصارت القلوب من أهل كل بر وبحر كالمجبولة على محبة ذلك البيت ، ومحبة أولئك المصلين من سكانه . وقال الورتجبي : سأل أن يجعلهم مرادي جلاله وجماله ، ويجعلهم آية الصادقين والعاشقين ، بقوله : ( فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ) ، تميل بوصف الإرادة والمحبة لك ، والاقتداء بهم في إقامة سنتك ، وألبسهم لباس أنوارك ، وألق في قلوب خلقك محبتهم بمحبتك . ه . ومعنى قوله : مرادي جلاله وجماله : أي : مظهرا لجلاله وجماله ، يعشقهم البرّ والفاجر ، والكامل والناقص ، فقد ظهر فيهم الجلال والجمال . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر بقية كلام إبراهيم عليه السّلام فقال :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 39 إلى 41 ]

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ( 39 ) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ( 40 ) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) قلت : ( لسميع الدعاء ) : من إضافة أمثلة المبالغة إلى مفعوله ، أي : لسميع دعاء من دعاه . و ( من ذريتي ) : عطف على مفعول « اجعل » ، أي : اجعلني وبعض ذريتي مقيمين للصلاة . يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن خليله عليه السّلام :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ
أي : مع كبر سنى عن الولد ،
إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
، روى أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة ، وإسحاق لمائة وثنتى عشرة سنة ، وقيل : غير ذلك . وإنما ذكر كبر سنه ؛ ليكون أعظم في إظهار النعمة ، وإظهارا لما فيه من الآية ، ولذلك قال :
إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ
أي : يجيب من دعاه ، من قولك : سمع الملك كلامي ، إذا اعتنى به . وفيه إشعار بأنه تقدم منه سؤال الولد ، فسمع منه ، وأجابه حين وقع اليأس منه ، ليكون من أجلّ النعم وأجلاها .