تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
قلت : ( يوم يأتيهم ) : مفعول ثان لأنذر ، ولا يصح أن يكون ظرفا . و ( نجب دعوتك ) ؛ جواب الأمر . يقول الحق جل جلاله :
وَلا تَحْسَبَنَّ
أيها السامع ، أن
اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
، أو أيها الرسول ، بمعنى : دم على ما أنت عليه من أن اللّه مطلع على أفعالهم ، لا تخفى عليه خافية ، غير غافل عنهم . وهو وعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة . وقيل : إنه تسلية للمظلوم ؛ وتهديد للظالم ؛ فالحق تعالى يمهل ولا يهمل .
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ
، أي : يؤخر عذابهم
لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
، أي : تحد فيه النظر ، من غير أن تطرف ؛ من هول ما ترى .
مُهْطِعِينَ
: مسرعين إلى الداعي ؛ مذلة واستكانة ، كإسراع الأسير والخائف ونحوه . أو مقبلين بأبصارهم ، لا يطرفون ؛ هيبة وخوفا ،
مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ
: رافعيها إلى السماء كرفع الإبل رأسها عند رعيها أعالي الشجر . وذلك من شدة الهول ، أو من أجل الغل الذي في عنقه ، كقوله :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
« 1 » . وقال الحسن في هذه الآية : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد . ه .
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
، بل تقف أعينهم شاخصة لا تطرف ، أو : لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ،
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
: خلاء ، محترقة ، فارغة من الفهم ، لا تعى شيئا ؛ لفرط الحيرة والدهشة . ومنه يقال للأحمق وللجبان : قلبه هواء ، أي : لا رأى فيه ولا قوة . وقيل : خالية من الخير ، خاوية من الحق .
وَأَنْذِرِ النَّاسَ
يا محمد ، أي : خوفهم هذا اليوم ، وهو :
يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ
، يعنى يوم القيامة ، أو يوم الموت ؛ فإنه أول مطلع عذابهم ،
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
بالشرك والتكذيب :
رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
أي : أخّر العذاب عنا ، وردنا إلى الدنيا ، وأمهلنا إلى أجل قريب ،
نُجِبْ دَعْوَتَكَ
حينئذ
وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ
، ونظيره :
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
« 2 » . قال تعالى لهم :
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ
أنكم باقون في الدنيا ،
ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ
عنها بالموت ولا بغيره ، ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا . أو دل عليه حالهم ؛ حيث بنوا مشيدا ، وأمّلوا بعيدا . أو أقسموا أنهم لا ينقلون إلى دار أخرى ، وأنهم إذا ماتوا لا يزالون عن تلك الحالة ، ولا ينقلون إلى دار الجزاء ، كقوله :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
« 3 » .
وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بالكفر والمعاصي ، من الأمم السالفة كعاد وثمود ،
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ
بما تشاهدون من آثارهم الدارسة ، وديارهم الخربة ، وما تواتر عندكم من أخبارهم ،
هامش
( 1 ) الآية 8 من سورة يس . ( 2 ) الآية 10 من سورة المنافقون . ( 3 ) الآية 38 من سورة النحل .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 70 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان