تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
جزاء لمكرهم ، وإبطالا له ،
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
في العظم والشدة
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
الثوابت لو زالت ؛ تقديرا ، أو ما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي : الشرائع والنبوات الثابتة كالجبال الرواسي . والمعنى على هذا تحقير مكرهم ؛ لأنه لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة ، أو : وإن مكرهم لتزول منه الجبال من شدته ، ولكن اللّه عصم ووقى . وقيل : الآية متصلة بما قبلها ، أي : وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ، ومكروا مكرهم في إبطال الحق .
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
، يعنى : وعد النصر على الأعداء . وقدّم المفعول الثاني ، والأصل : مخلف رسله وعده ، فقدّم الوعد ؛ ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا على الإطلاق ، ثم قال :
رُسُلَهُ
؛ ليعلم أنه إذا لم يخلف وعد أحد من الناس ، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه ؟ ! فقدّم الوعد أولا بقصد الإطلاق ، ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص .
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
: غالب لا يماكر ، قادر لا يدافع ،
ذُو انتِقامٍ
لأوليائه من أعدائه . يظهر ذلك
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
، أو اذكر
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
، فتبدل أرض الدنيا يوم القيامة بأرض بيضاء عفراء « 1 » ، كقرصة النّقى « 2 » ، كما في الصحيح « 3 » .
وَ
تبدل
السَّماواتُ
بأن تنشق وتطوى كطى السجل للكتب ، ويبقى العرش بارزا ، وهو سماوات الجنة . قال البيضاوي : والتبديل يكون في الذات ، كقوله : بدلت الدراهم بالدنانير ، وعليه قوله :
بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
« 4 » ، وفي الصفة ، كقولك : بدلت الحلقة خاتما ، إذا أذبتها وغيرت شكلها . وعليه قوله :
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
« 5 » . والآية تحتملها ، فعن على رضى اللّه عنه : تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب ، وعن ابن عباس - رضى اللّه تعالى عنهما - : هي تلك الأرض ، وإنما تغير صفاتها ، ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « تبدّل الأرض غير الأرض فتنبسط ، وتمدّ مد الأديم العكاظىّ ؛ « لا ترى فيها عوجا ولا أمتا » « 6 » . قال ابن عطية : وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء ، لم يعص اللّه فيها ، ولا سفك فيها دم ، وليس فيها معلم لأحد . وروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « المؤمن في وقت التبديل في ظل العرش » . وروى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الناس ، وقت التبديل ، على الصّراط » « 7 » . وروى أنه قال : « 8 » « الناس حينئذ أضياف اللّه ؛ فلا يعجزهم ما
هامش
( 1 ) العفرة : بياض ليس بالناصع . . انظر النهاية ( عفر ) . ( 2 ) قرصة النّقىّ : الدقيق النقي من الغش والنخال انظر فتح الباري ( 11 / 383 ) . ( 3 ) قال صلى اللّه عليه وسلم : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ، كقرصة النقي ، ليس فيها علم لأحد » . أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة ) . ومسلم في ( صفات المنافقين ، باب في البعث والنشور ) من حديث سهل بن سعد الساعدي . ( 4 ) من الآية 56 من سورة النساء . ( 5 ) من الآية 70 من سورة الفرقان . ( 6 ) جزء من حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة . ( 7 ) أخرجه مسلم في ( صفات المنافقين وأحكامهم ، باب في البعث والنشور ) من حديث السيدة عائشة - رضى اللّه عنها . ( 8 ) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره ( 7 / 2253 ) من حديث أبي أيوب الأنصاري . وانظر تفسير ابن كثير ( 2 / 544 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 72 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان