تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وفي سراج المريدين لابن العربي : أن اللّه خلق الأرض مختلفة محدودبة ؛ ويخلقها يوم القيامة مستوية ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، متماثلة بيضاء كخبرة النقي ، كما في الصحيح ، وأما تبديل السماوات فليس في كيفيتها حديث ، وإنما هو مجهول . وفي حديث مسلم : « أين يكون الناس يوم تبدل الأرض ؟ قال : هم على الصراط » . قال : يحتمل أنه الصراط المعروف ، ويحتمل أنه اسم لموضع غيره ، تستقر الأقدام عليه ، وكأنه الأظهر ؛ للحديث الآخر . وقد سألته عائشة - رضى اللّه عنها - أين يكون الناس يوم تبدل الأرض ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « هم في الظّلمة دون الجسر » « 1 » . والجسر : الصراط . ه . أما تبديل الأرض : فظاهر الآيات أنها قبل البعث والحشر ، فلا يقع البعث والحشر ، إلا على الأرض المبدلة ؛ كقوله :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ
« 2 » . وقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً
« 3 » . . ثم قال :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ
« 4 » . وقوله :
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
« 5 » ، ثم قال :
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
« 6 » ، إلى غير ذلك من الآيات . والأرواح حينئذ أضياف اللّه ، أو في ظل العرش ، أو دون الجسر ، حيث يعلم اللّه . وأما تبديل السماوات فظاهر الأخبار أنه وقت وقوف الناس في المحشر ، حيث تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلا . واللّه تعالى أعلم .
وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
، أي : وبرزوا من أجداثهم ؛ لمحاسبة الواحد القهار ، أو لمجازاته . وتوصيفه بالوصفين ؛ للدلالة على أنه في غاية الصعوبة ، كقوله :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 7 » ، وأن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار ،
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ
: قرن بعضهم إلى بعض
فِي الْأَصْفادِ
: في القيود ، أو الأغلال ، كل واحد قرن مع صاحبه ، على حسب مشاركتهم في العقائد والأعمال ، كقوله :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
« 8 » . أو قرنوا مع الشياطين ، أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة والأهوية الفاسدة ، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال . فقوله :
فِي الْأَصْفادِ
: متعلق بمقرنين ، أو حال من ضميره . والصفد : القيد أو الغل .
سَرابِيلُهُمْ
: قمصانهم ، والسربال : القميص ،
مِنْ قَطِرانٍ
، وهو الذي تهنأ به الإبل ، أي : تدهن به . وللنار فيه اشتعال شديد ، فلذلك جعل قميص أهل النار . قال البيضاوي : وهو أسود منتن ، تشتعل فيه النار بسرعة ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم مطولا في ( الحيض ، باب بيان صفة منى الرجل والمرأة ) من حديث ثوبان ، مولى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) من الآية 47 من سورة الكهف . ( 3 ) الآيتان 105 - 106 من سورة طه . ( 4 ) من الآية 108 من سورة طه . ( 5 ) الآية الأولى من سورة الواقعة . ( 6 ) الآيتان : 4 - 5 من سورة الواقعة . ( 7 ) الآية 16 من سورة غافر . ( 8 ) الآية 7 من سورة التكوير .