تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 603

مساهمون:

ص٦٠٣
الإشارة : إذا تميز المتحابون في الله ، المجتمعون على ذكر الله ومحبته وطلب معرفته ، وعرفوا بأنوارهم وأسرارهم ، وانحازوا إلى ظل العرش ، يوم لا ظل إلا ظله ، ورآهم البطالون المنكرون عليهم ، وهم في حسرة الحساب ، يقولون بلسان الحال أو المقال :
( رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا )
؛ حيث لم نصحب هؤلاء الأولياء ، وكنا قوما ضالين ، ربنا أخرجنا من هذه الحسرة ، وردنا إلى الدنيا ، فإن عدنا إلى البطالة والإنكار عليهم فإنا ظالمون ، فيقال لهم : اخسئوا فيها ؛ فقد فات الإبان ، إنه كان فريق من عبادي ، وهم المنتسبون من أهل التجريد ، المتزيون بزى الصوفية أهل التفريد ، يقولون : ربنا آمنا بطريق الحصوصية ودخلنا فيها ، فاغفر لنا ، أي : غط مساوئنا ، وارحمنا رحمة تضمنا إلى حضرتك ، وأنت خير الراحمين ، فاتخذتموهم سخريا ، وانشغلتم بالوقوع فيهم ، حتى أنسوكم ذكرى ، وكنتم منهم تضحكون ، إني جزيتهم اليوم ، بما صبروا ، أنهم هم الفائزون بشهود ذاتي ، والقرب من أحبابي ، المتنزهون في كمال جمالى ، في درجات المقربين من النبيين والصديقين . قال القشيري : الحق ينتقم من أعدائه بما يطيّب به قلوب أوليائه ، وتلك خصمة الحق ، فيقول لهم : كان فريق من أوليائي يفصحون بمدحى واطرائى ، فاتخذتموهم سخريا ، فأنا اليوم أجازيهم ، وأنتقم ممن كان يناويهم . ه . قوله تعالى :
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ . . . .
إلخ ، اعلم أن أيام الدنيا كلها تقصر عند انقضاء عمر العبد ، فتعود كيوم واحد ، أو بعض يوم ، فإن أفضى إلى الراحة بعد الموت نسي أيام التعب ، وغاب عنها ، فتصير كأضعاث أحلام ، وإن أفضى إلى التعب ، نسي أيام الراحة ، كأنها طيف منام . قال في الحاشية : الأشياء ، وإن كانت كثيرة ، فقد تنقص وتقل بالإضافة إلى ما يرجّى عليها ، كذلك مدة مقامهم تحت الأرض ، إن كانوا في الراحة فقد تقل ، بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها في القيامة ، وإن كانت شديدة فقد تتلاشى في جنب رؤية ذلك اليوم ؛ لما فيه من أليم تلك العقوبات المتوالية . ه . ثم تمم توبيخهم يوم القيامة بقوله :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 115 إلى 118 ]

أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 ) قلت :
( أَ فَحَسِبْتُمْ )
: المعطوف محذوف ، أي : ألم تعلموا شيئا فحسبتم ، و
( عَبَثاً )
: حال ، أو مفعول من أجله .