تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
ما صدر عنهم لما سألوا الرجعة إلى الدنيا ، ولما وعدوا بالطاعة والإيمان . قال القرطبي : طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت . ثم يجيبهم الحق تعالى ، بعد ألف سنة ، بقوله :
قالَ اخْسَؤُا فِيها
أي : اسكتوا في النار سكوت ذل وهوان ، وانزجروا انزجار الكلاب ، يقال : خسأت الكلب ، إذا زجرته ، فخسأ ، أي : انزجر .
وَلا تُكَلِّمُونِ
باستدعاء الإخراج من النار والرجوع إلى الدنيا ، أو في رفع العذاب عنكم ؛ فإنه لا يرفع ولا يخفف ، روى أنه آخر كلام يتكلمون به ، ثم لا كلام بعد ذلك إلّا الشهيق والزفير ، ويصير لهم عواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون « 1 » . قيل : ويرده الخطابات الآتية ، وقد يجاب : بأنها قبل هذه الكلمة . ثم علل استحقاقهم لذلك العذاب بقوله :
إِنَّهُ
أي : الأمر والشأن
كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي
وهم المؤمنون ، أو الصحابة ، أو أهل الصفة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -
يَقُولُونَ
في الدنيا :
رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
أي : هزوا ، وهو مصدر سخر ، زيدت فيه ياء النسب ؛ للمبالغة ، وفيه الضم والكسر . وقال الكوفيون : المكسور بمعنى الهزء ، والمضموم من السخرة ، بمعنى الانقياد للخدمة ، ولذلك اتفق عليه في الزخرف « 2 » ، أي : اتخذتموهم ؛ مهزوا بهم ، وتشاغلتم بهم
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
، من فرط اشتغالكم بالاستهزاء بهم ، ولم تخافونى في أوليائي ،
وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
، وذلك غاية الاستهزاء . قال تعالى :
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ
جزاء على صبرهم على أذاكم ،
أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ
بكل مطلوب دونكم ، فأنهم : مفعول « جزيتهم » ؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين ، وقرأ حمزة بالكسر ؛ على الاستئناف ؛ تعليلا للجزاء ، وبيانا أنه في غاية الحسن ،
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ
، القائل هو الله تعالى ، أو الملك ، وقرأ المكي وحمزة : « قل » ؛ التي بلفظ الأمر للملك ، يسألهم : كم لبثوا ،
فِي الْأَرْضِ
التي دعوا الله أن يردهم إليها ،
عَدَدَ سِنِينَ
، وهو تمييز ، أي : كم لبثتم في الأرض من عدد السنين ،
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
، استقصار لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم ، ولما هم فيه من عذابها ؛ لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ، ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة ،
فَسْئَلِ الْعادِّينَ
أي : المتمكنين من العد ؛ فإنا بما دهمنا من العذاب بمعزل من العد ، أو الملائكة العادين لأعمار العباد وأعمالهم .
قالَ
الله تعالى ، أو الملك ، تصديقا لهم في مقالهم :
إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
: ما لبثتم إلا زمانا قليلا ، أو لبثا قليلا بالنسبة لما بعده ،
لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
شيئا ، أو : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم قلة لبثكم فيها ، فالجواب محذوف . والله تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 5 / 431 ) عن الحسن . ( 2 ) في قوله تعالى :وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . . )الآية 32 من سورة الزخرف .