تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
يقول الحق جل جلاله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
أي : عابثين ، أو للعبث من غير حكمة في خلقكم وإظهاركم حتى أنكرتم البعث ،
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
للحساب والجزاء ، بل خلقناكم للتكليف ، ثم للرجوع إلينا ، فنثيب المحسن ، ونعاقب المسئ .
فَتَعالَى اللَّهُ
أن يخلق شيئا عبثا ، وهو استعظام له تعالى ولشئونه التي يصرّف عليها عباده ؛ من البدء والإعادة ، والإثابة والعقاب ، بموجب الحكمة ، أي : ارتفع بذاته ، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله ، وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح والغايات الحميدة .
الْمَلِكُ الْحَقُّ
؛ الذي يحق له الملك على الإطلاق ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، عذابا وإثابة ، وكل ما سواه مملوك له ، مقهور تحت ملكوته ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
، فإنّ كل ما عداه عبيده ،
رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
، فكيف بما تحته من الموجودات ، كائنا ما كان ، ووصفه بالكرم : إمّا لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم ، والخير والبركة ، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين .
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
، يعبده فردا أو اشتراكا ، من صفته
لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
على صحة عبادته . وفيه تنبيه على أن التدين بما لا دليل عليه باطل ، فكيف بما شهدت بديهة العقول بخلافه ؟
فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ
، فهو مجاز له على قدر ما يستحقه ،
إِنَّهُ
أي : الأمر والشأن
لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
؛ لا فوز لهم ولا نجاة . بدئت السورة الكريمة بتقرير فلاح المؤمنين ، وختمت بنفي فلاح الكافرين ؛ تحريضا على الإيمان ، وعلى ما يوجب بقاءه وتنميته ، من التمسك بما جاء به التنزيل ، وبما جاء به النبي الجليل ، ليقع الفوز بالفلاح الجميل . ثم علّمنا سؤال المغفرة والرحمة ؛ لأن شؤم المعاصي يؤدى إلى سوء الختام ، فقال :
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
، وفيه إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية ، حيث أمر به من قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف بمن عداه ؟ نسأل الله - تعالى - المغفرة الشاملة ، والرحمة الكاملة ، لنا ولإخواننا ولجميع المسلمين . . آمين . روى عن عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه أنه مرّ بمصاب مبتلى ، فقرأ في أذنه :
( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما . . . )
إلخ السورة ، فبرئ من حينه . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ماذا قرأت في أذنه ؟ » فأخبره ، فقال : « والذي نفسي بيده لو أن رجلا مؤمنا قرأها على جبل لزال » « 1 » . الإشارة : ما أظهر الله الكائنات إلا ليعرف بها ، ويظهر فيها أسرار ذاته وأنوار صفاته ، وفي الأثر القدسي : « كنت كنزا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فتعرفت لهم ، فبى عرفوني » . وفي إيجاد المخلوقات حكم بليغة وأسرار عجيبة ، لا يحصيها إلا من خلقها ودبّرها . فمن المخلوقات من خلقهم ليظهر فيهم أثر رحمته وكرمه وإحسانه ،
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 5 / 432 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 7 ) ، وابن السنى في عمل اليوم والليلة ( ص 298 ) قال الذهبي في ميزان الاعتدال ( 2 / 175 ) قال العقيلي : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : . . . . وساق الحديث ، فقال أبى : هذا موضوع ، هذا حديث الكذابين .