تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ
أي : موزونات حسناته من العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة ،
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
؛ الفائزون بكل مرغوب ، الناجون من كل مرهوب ،
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
أي : ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ما يوزن - وهم الكفار - لقوله :
فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
« 1 » ، وتقدم ما فيه .
فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
: ضيعوها بتضييع زمان استكمالها ، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها ،
فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ
، وهو خبر ثان لأولئك ، أو بدل من الصلة ، وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : ( يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة ، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين ، ثم ينادى مناد : هذا فلان بن فلان ، من كان له حق فليأت إلى حقه ، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على ابنها ، أو على زوجها ، أو على أبيها ، أو على أخيها ، ثم قرأ ابن مسعود :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
، ثم يقول الرب تعالى : آت هؤلاء حقوقهم ، فيقول : ربّ ، فنيت الدنيا ؛ فمن أين آتيهم ؟ فيقول للملائكة : خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته . . . . . ) إلخ الحديث « 2 » ، انظر النسفي . قال تعالى :
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ
؛ تحرقها ، واللفح كالنفخ ، إلّا أنه أشد تأثيرا منه ، وتخصيص الوجوه بذلك ؛ لأنها أشرف الأعضاء .
وَهُمْ فِيها كالِحُونَ
: عابسون من شدة الإحراق ، والكلوح : تقلص الشفتين من الإنسان ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في كالحون : « تشويه النّار فتقلّص شفته العليا ، حتّى تبلغ وسط رأسه ، وتسترخى السّفلى حتّى تبلغ سرّته » « 3 » . فيقال لهم - تعنيفا وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به :
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي
أي : القرآن
تُتْلى عَلَيْكُمْ
في الدنيا
فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
حينئذ ، فذوقوا وبال ما كنتم به تكذبون . نسأل الله التوفيق والهداية . الإشارة : قال الترمذي الحكيم : الأنساب كلها منقطعة إلا من كانت نسبته صحيحة في عبودية ربه ، فإن تلك نسبة لا تنقطع أبدا ، وتلك النسبة المفتخر بها ، لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد . ه . وقال الورتجبي : عند المعاينة والمشاهدة بوجوده ونشر جوده ، نسبهم هناك نسب المعرفة والمحبة الأزلية ، واصطفائيته القدسية ، لا يفتخرون بشئ دونه ، من العرش إلى الثرى ، ولا يتساءلون ؛ شغلا بما هم فيه . ه . ومعنى كلام الشيخين : أن العبد ، إذا صحت نسبته إلى مولاه ، وانقطع بكليته إليه ، ورفض كل ما سواه ، اتصلت نسبته ، ودامت محبته وأنسه ، ومن تعلق بغيره ، وتودد إلى ما سواه ، انقطع ذلك وانفصل ، ومن النسب التي تتصل وتدوم ، النسبة إلى أولياء الله ، والتحبب إليهم وخدمتهم ، وهي في الحقيقة من نسبة الله تعالى ؛ لأنها سبب معرفته
هامش
( 1 ) من الآية 105 من سورة الكهف . ( 2 ) أخرج رواية ابن عباس ، وكذلك ، ورواية ابن مسعود ، الطبري في تفسيره . ( 3 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 3 / 88 ) لترمذى في ( التفسير - تفسير سورة المؤمنون ) ، وقال : حسن غريب صحيح ، والحاكم ( 2 / 395 ) وصححه ، ووافقه الذهبي ) ، عن أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه .