تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
ثم أبطل دعوى الولد والشريك عليه تعالى ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 91 إلى 92 ]

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) يقول الحق جل جلاله :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
، خلاف ما يقوله النصارى ، والعرب التي قالت : الملائكة بنات الله ، تعالى عن قولهم علوا كبيرا ،
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ
يشاركه في ألوهيته ، كما يقول عبدة الأوثان وغيرهم ،
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
أي : لو كان معه آلهة ، كما يزعمون ، لذهب كل واحد منهم بما خلقه واستبد به ؛ ليتميز ملكه من ملك الآخر ، ووقع بينهم التغالب والتحارب ، كما هو الجاري بين الملوك ،
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
: ولغلب بعضهم على بعض ، وارتفع عليه ، كما ترون حال ملوك الدنيا ؛ ممالكهم متمايزة وهم متغالبون ، وحين لم تروا أثرا لتمايز الممالك والتغالب ؛ فاعلموا أنما هو إله واحد . قال ابن جزىّ : وليس هذا البرهان بدليل التمانع ، كما فهم ابن عطية وغيره ، بل بدليل آخر . وقال في قوله : ( لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا ) : قال كثير من الناس : إنه دليل التمانع الذي أورده المتكلمون ، والظاهر من اللفظ أنه استدلال آخر أصح منه . ه قال النسفي : ولا يقال : « إذا » لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب ، وهو هنا وقع لذهب ؛ جزاء وجوابا ، ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل ؛ لأن الشرط هنا محذوف ، تقديره : لو كان معه آلهة كما يزعمون لذهب . . إلخ ، دل عليه : ( وما كان معه من إله ) ، وهو جواب لمن حاجّه من المشركين . ه .
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
من الأنداد والأولاد ،
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
أي : السر والعلانية ، أو ما ظهر من حس الأكوان ، وما غاب فيها وعنها ، فمن جرّ « عالم » ؛ فبدل من الجلالة ، أو صفة له ، ومن رفعه ؛ فخبر عن مضمر ، أي : هو عالم .
فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
من الأصنام وغيرها ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ فإنّ تفرده تعالى بالألوهية والعلم المحيط ، موجب لتعاليه عن أن يكون له شريك . والله تعالى أعلم . الإشارة : ثلاثة إذا تعددت فسد النظام : الإله ، والسلطان ، والطبيب ؛ فلو تعدد الإله لفسد نظام العالم ، ولو تعدد الملك لفسدت الرعية بالهرج والفتن ، ولو تعدد الطبيب لفسد العلاج . والطبيب على قسمين : طبيب الأبدان ، وطبيب القلوب ، وهو شيخ التربية ، فإذا تعدد على مريد واحد فسدت تربيته ؛ لانقسام محبته واختلاف علاجه ، فالمريد ، إذا علق قلبه بغير شيخه ، لا ينهض نهوض من جمع همته على شيخه ، بل لا يجئ منه شئ . والله تعالى أعلم .