تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
ما هذا
إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي : أكاذيبهم التي سطروها ، وهي جمع أسطورة ، كأحدوثة وأعجوبة ، أو جمع أسطار ، جمع سطر ، فيكون جمع الجمع . والله تعالى أعلم . الإشارة : ذكر في الآية خمس نعم ، يجب على العبد شكر كل واحدة منها ، فشكر نعمة السمع : أن تسمع به ما ينفع ، وتكفه عما لا ينفع ، وإذا سمعت خيرا أفشيته ، وإذا سمعت شرا دفنته . وشكر نعمة البصر : أن تنظر به في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما ، فتعرف عظمة الصانع ، أو تشاهده وتوحده فيها . وشكر نعمة القلوب : أن تعرف بها علام الغيوب ، وتفرده بالوجود في كل مرغوب ومرهوب . وشكر نعمة الإيجاد : أن تكون له عبدا في كل حال . وشكر نعمة الإعادة : أن تتأهب للقائه في كل لحظة وساعة . ( وهو الذي يحيى ويميت ) ؛ يحيى قلوبا بالمعرفة بعد الجهل ، ويميت قلوبا بالغفلة والجهل بعد العلم واليقظة ، وذلك بالسلب بعد العطاء ، والعياذ بالله . وله اختلاف ليل القبض ونهار البسط على العبد ، ثم يخرجه عنهما ؛ ليكون مع الله لا مع شئ سواه . وبالله التوفيق . ثم ذكر دلائل ما أنكروه من البعث ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 84 إلى 90 ]

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 ) يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
يا محمد لمن أنكر البعث :
لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها
من المخلوقات ؛ عاقلا أو غيره ، أي : من أوجدها ، ودبر أمرها ،
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
شيئا ؟ والجواب محذوف ، أي : فأخبروني ؛ فإن ذلك كاف في الجواب ،
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
؛ لأنهم مقرّون بأنه الخالق ، فإن أقروا بذلك فقل
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
فتعلمون أنّ من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيهن ، كيف لا يقدر على إعادة الخلق بعد عدومها ؟ فإن الإعادة أهون من البدء .
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
، أعيد الرب ؛ تنويها لشأن العرش ، ورفعا لمحله ؛ لئلا يكون تبعا للسماوات والأرض ، وجودا وذكرا ، ولقد روعى في الأمر بالسؤال الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، فإن سألتهم ( سيقولون لله ) أي : هي لله ، كقولك : من رب هذه الدار ؟ فتقول : هي لفلان ، وقال الشاعر :
إذا قيل : من ربّ المزالف والقرى * وربّ الجياد الجرد ؟ قيل : لخالد