تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة ، ولكن ليتدارك ما فرط . وعنه ، صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا له : نرجعك إلى الدّنيا ؟ فيقول : إلى دار الهموم والأحزان ؟ بل قدوما إلى اللّه تبارك ، وتعالى ، وأمّا الكافر فيقول : ارجعون لعلى أعمل صالحا . . » « 1 » . وقال القرطبي : ليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر ، فقد يسألها المؤمن ، كما في آخر سورة المنافقين « 2 » ، ودلت الآية على أن أحدا لا يموت حتى يعرف : أهو من أولياء الله أم من أعداء الله ، ولولا ذلك لما سأل الرجعة ، فيعلم ذلك قبل نزول الموت وذواقه . ه . قال المحشى الفاسي : ولعل محمل الحديث في المؤمن الكامل غير المقصّر ، والآية في غيره . والله أعلم . ه .
كَلَّا
أي : لا رجوع له أصلا ، وهو ردع عن طلب الرجعة ، واستبعاد لها ،
إِنَّها
أي : قوله :
( رَبِّ ارْجِعُونِ )
،
كَلِمَةٌ
، والمراد : طائفة من الكلام ، وهو
( رَبِّ ارْجِعُونِ . . . )
إلخ ،
هُوَ قائِلُها
، ولا فائدة له فيها ، ولا حقيقة لها ؛ لعدم حصول مضمونها ، أو هو قائلها لا محالة ؛ لتسليط الحسرة والندم عليه ، فلا يقدر على السكوت عليها ،
( وَمِنْ وَرائِهِمْ )
أي : أمامهم ، والضمير للجماعة ؛ لأن أحدهم بمعنى كلهم ،
بَرْزَخٌ
: حائل بينهم وبين الرجعة ،
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
: يوم القيامة ، وهو إقناط كلى عن الرجوع إلى الدنيا ، لما علم أنه لا رجعة يوم القيامة إلى الدنيا ، وإنما الرجوع فيه إلى الحياة الأخروية . والله تعالى أعلم . الإشارة : ما قاله صلى اللّه عليه وسلم في تضرعه إلى الله تعالى - كما أمره الحق تعالى - يقوله كل عارف ومتيقظ ، فيقول : ربّ إما تريني ما يوعده أهل الغفلة والبطالة من التحسر والندم ، عند انقراض الدنيا وإقبال الآخرة ، فلا تجعلني في القوم الظالمين ، أي : لا تسلك بي مسلكهم حتى أتحسر معهم ، فإذا أوذى في الله - كما هو شأن أهل الخصوصية - يقال له : ادفع بالتي هي أحسن السيئة ، وقابل الإساءة بالإحسان ، وإياك والانتصار لنفسك ، وتعوذ بالله من همزات الشياطين ، إن قامت عليك نفسك وأرادت الانتصار ، كما هو شأن أهل الغفلة ، في كونهم منهمكين في الغفلة ، مملوكين في أيدي أنفسهم ، مستمرين على ذلك ، حتى إذا حضر أجلهم طلبوا من الله الرجعة ، هيهات هيهات ،
( كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )
، وفي الأثر : « ما منكم من أحد إلا وسيندم عند الموت ، إن كان محسنا أن لو زاد ، وإن كان مسيئا أن لو تاب » . أو كما قال . ولأجل هذا المعنى شد أهل اليقظة الحزم ، وشمروا عن ذراعهم في طاعة مولاهم ، وعمروا أوقاتهم بما يقربهم إلى محبوبهم ، وتنافسوا في ذلك أىّ تنافس ، وفي ذلك يقول القائل :
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 18 / 52 ) ، من حديث ابن جريج ، مرسلا . ( 2 ) في قوله تعالى « وأنفقوا مما رزقناكم من أن قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب . . . ) الآية 10 .