تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
إشراق أسرار الذات على السريرة ، فيصير الدليل محل العيان ، فتبتهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان ، وأول الخشوع : تدبر القلب فيما يقول ، وحضوره عندما يفعل ، وغايته : غيبته عن فعله في شهود معبوده ، فينمحى وجود العبد عند تجلى أنوار الرب ، فتكون صلاته شكرا لا قهرا ، كما قال سيد العارفين صلى اللّه عليه وسلم : « أفلا أكون عبدا شكورا » . ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو ، وهو كل ما يشغل عن اللّه ، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة اللّه ، وإمساك الجوارح عن محارم اللّه ، وحفظ الأنفاس والساعات ، التي هي أمانات عند العبد من اللّه . قال في القوت : قال بعض العارفين : إن للّه - عز وجل - إلى عبده سرّين يسرهما إليه ، يوجده ذلك بإلهام يلهمه ، أحدهما : إذا ولد وخرج من بطن أمه ، يقول له : عبدي ، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا ، واستودعتك عمرك ، ائتمنتك عليه ، فانظر كيف تحفظ الأمانة ، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك ، وسرّ عند خروج روحه ، يقول له : عبدي ، ما ذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية ، فألقاك بالوفاء والجزاء ؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ فهذا داخل في قوله عز وجل :
( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ )
، وفي قوله عز وجل :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
« 1 » ، فعمر العبد أمانة عنده ، إن حفظه فقد أدى الأمانة ، وإن ضيّعه فقد خان ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
« 2 » . ه . ثم ذكر ابتداء خلق الإنسان وأطواره وانتهاء أمره ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 12 إلى 16 ]

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) قلت : « خلق » : إن كان بمعنى اخترع وأحدث ؛ تعدى إلى واحد ، وإن كان بمعنى صيّر ؛ تعدى إلى مفعولين ، ومنه :
( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً )
، وما بعده . يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
؛ جنس الإنسان ، أو آدم ،
مِنْ سُلالَةٍ
؛ « من » : للابتداء ، والسلالة : الخلاصة ؛ لأنها تسل من بين الكدر ، وهو ما سلّ من الشيء واستخرج منه ، فإن ( فعالة ) اسم لما
هامش
( 1 ) من الآية 40 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 58 من سورة الأنفال .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 564 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان