تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
مواطئا لسانه قلبه فهو مؤمن شرعا ، قال عليه الصلاة السلام : « لمّا خلق اللّه الجنّة ، قال لها : تكلّمي ، فقالت : قد أفلح المؤمنون - ثلاثا - أنا حرام على كلّ بخيل مرائي » « 1 » ؛ لأنه بالرياء أبطل العبادات الدينية ، وليسر له أعمال صافية . ثم وصف أهل الإيمان بست صفات ، فقال :
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
: خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح ، وقيل : الخشوع في الصلاة : جمع الهمة ، والإعراض عما سواها ، وعلامته : ألا يجاوز بصره مصلاه ، وألّا يلتفت ولا يعبث . وعن أبي الدرداء : ( هو إخلاص المقال ، وإعظام المقام ، واليقين التام ، وجمع الاهتمام ) . وأضيفت الصلاة إلى المصلين ؛ لانتفاع المصلّى بها وحده ، وهي عدّته وذخيرته ، وأما المصلّى له فغنىّ عنها .
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
، اللغو : كل كلام ساقط ، حقه أن يلغى ، كالكذب والشتم ونحوهما . والحق أن اللغو : كل ما لا يعنى من الأقوال والأفعال ، وصفهم بالحزم والاشتغال بما يعنيهم وما يقربهم إلى مولاهم في عامة أوقاتهم ، كما ينبئ عنه التعبير بالاسم الدال على الثبوت والاستمرار ، بعد وصفه لهم بالخشوع ؛ ليجمع لهم بين الفعل والترك ، الشاقّين على النفس ، الّذين هما قاعدتا التكليف .
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
: مؤدون ، والمراد بالزكاة : المصدر ، الذي هو الإخراج ، لا المخرج . ويجوز أن يراد به العين ، وهو الشيء المخرج ، على حذف مضاف ، أي : لأداء الزكاة فاعلون . وصفهم بذلك ، بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ؛ للدلالة على أنهم بلغوا الغاية القصوى من القيام بالطاعة البدنية والمالية ، والتجنب عن النقائص ، وتوسيط الإعراض عن اللغو بينهما ؛ لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة ؛ لأن من لزم الصمت والاشتغال بما يعنى عظم خشوعه وأنسه بالله .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ
: ممسكون لها ، ويشمل فرج الرجل والمرأة ،
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ
، الظاهر أن « على » بمعنى « عن » أي : إلا عن أزواجهم ، فلا يجب حفظها عنهن ، ويمكن أن تبقى على بابها ، تقول العرب : احفظ علىّ عنان فرسى ، أي : أمسكه ، ويجوز أن يكون ما بعد الاستثناء حالا ، أي : إلا والين على أزواجهم ، من قولك : كان زياد على البصرة ، أي : واليا عليها ، والمعنى : أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال ، إلا في حالة تزوجهم أو تسريهم . أو يتعلق « على » بمحذوف يدل عليه : ( غير ملومين ) ، كأنه قيل : يلامون إلا على أزواجهم ، أي : يلامون على كل مباشرة إلا على ما أبيح لهم ، فإنهم غير ملومين عليه ،
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
أي : سراريهم ، وعبّر عنهن بما ؛ لأن المملوك يجرى مجرى غير العقلاء ، لأنه يباع كما تباع البهائم . وقال في الكشاف : وإنما قال « ما » ، ولم يقل « من » ؛ لأن الإناث يجرين مجرى غير العقلاء « 2 » . ه . يعنى : لكونهن ناقصات عقل ، كما في الحديث . وفيه احتراس من الذكور بالملك ، فلا يباح إتيانهم والتمتع بهم للمالك ولا للمالكة ، بإجماع .
هامش
( 1 ) ذكره بنحوه الهيثمي في المجمع ( 10 / 397 ) من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما ، وقال : رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وأحد إسنادي الطبراني في الأوسط جيد . ( 2 ) في هذا الكلام نظر .