تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
أنزلت » ، فشكّ عبد اللّه ، فقال : إن كان محمد يوحى إليه ، فأنا يوحى إلىّ ، فارتدّ ولحق بمكة كافرا ، ثم أسلم يوم الفتح . وقيل : الحكاية غير صحيحة ؛ لأن ارتداده كان بالمدينة ، والسورة مكية « 1 » . ثم قال تعالى :
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ
أي : بعد ما ذكر من الأمور العجيبة ، حسبما ينبئ عنه ما في اسم الإشارة من البعد ، المشعر بعلوّ مرتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل ،
لَمَيِّتُونَ
: لصائرون إلى الموت لا محالة ، كما يؤذن به صيغة الصفة ، وقرىء « لمائتون » ،
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : عند النفخة ،
تُبْعَثُونَ
في قبوركم للحساب والمجازاة ، فإن قلت : لم أكدّ الأول بإنّ واللام ، وعبّر بالاسم دون الثاني ، الذي هو البعث ، والمتبادر للفهم العكس ؛ لأن الموت لم ينكره أحد ، والبعث أنكره الكفار والحكماء ؟ فالجواب كما قال ابن عرفة : إنه من حمل اللفظ على غير ظاهره ، مثل :
جاء شقيق عارضا رمحه * إنّ بنى عمّك فيهم رماح
فهم ، لعصيانهم ومخالفتهم ، لم يعملوا للموت ، فحالهم كحال المنكر لها ، ولمّا كانت دلائل البعث ظاهرة صار كالأمر الثابت الذي لا يرتاب فيه . ه . الإشارة : اعلم أن الروح لها أطوار كأطوار البشرية ، من الضعف والقوة شيئا فشيئا ، باعتبار قوة اليقين والترقي إلى العلم باللّه ومشاهدته ، فتكون أولا صغيرة العلم ، ضعيفة اليقين ، تم تتربى بقوت القلوب وغذاء الأرواح ؛ فقوت القلوب : العمل الظاهر ، وقوت الأرواح : العمل الباطن ، فلا تزال تتقوت بالعمل الظاهر شيئا فشيئا حتى تقوى على كمال غايته ، ثم تنتقل إلى قوت العمل الباطن ؛ كالذكر القلبي ، والتفكر والاعتبار ، وجولان القلب في ميادين الأغيار ، ثم دوام حضور القلب مع الحق على سبيل الاستهتار ، ثم يفتح لها ميادين الغيوب ، ويوسع عليها فضاء الشهود ، فيكون قوتها حينئذ رؤية المحبوب ، وهو غاية المطلوب ، فتبلغ مبلغ الرجال ، وتحوز مراتب الكمال ، ومن لم يبلغ هذا بقي في مرتبة الأطفال ، ولا يمكن حصول هذا إلا بصحبة طبيب ماهر ، يعالجها ويربيها ، وينقلها من طور إلى طور ، وإلّا بقيت الروح مريضة لا تتقوت إلا بالمحسوسات ، وهي لا تشبع ولا تغنى من جوع . وباللّه التوفيق . ولمّا ذكر ابتداء الإنسان وانتهاءه ، ذكّره بنعمه ، أو تقول : لما ذكر نعمة الإيجاد ذكر نعمة الإمداد ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 17 إلى 22 ]

وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 ) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 ) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 21 ) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 )
هامش
( 1 ) انظر روح المعاني ( 18 / 16 ) .