تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
يحصل من الفعل ، فتارة يكون مقصودا منه ، كالخلاصة ، وتارة غير مقصود ، كالقلامة والكناسة ، والسلالة من قبيل الأول ؛ فإنها مقصودة بالسّل ، وقيل : إنما سمى التراب الذي خلق منه آدم سلالة ، لأنه سلّ من كل تربة . وقوله :
( مِنْ طِينٍ )
، بيان ، متعلقة بمحذوف ، صفة للسلالة ، أي : خلقناه من سلالة كائنة من طين .
ثُمَّ جَعَلْناهُ
أي : الجنس ، باعتبار أفراده المتغايرة لآدم عليه السّلام ، وجعلنا نسله ، على حذف مضاف ، إن أريد بالإنسان آدم ، فيكون كقوله تعالى :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
« 1 » أي : جعلنا نسله
نُطْفَةً
: ماء قليلا
فِي قَرارٍ مَكِينٍ
أي : في مستقر - وهو الرحم -
( مَكِينٍ )
: حصين ، أو متمكن فيه ، وصف الرحم بصفة ما استقر فيه ، مثل طريق سائر ، أي : مسير فيه .
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
أي : دما جامدا ، بأن جعلنا النطفة البيضاء علقة حمراء ، ( فخلقنا العلقة مضغة ) أي : قطعة لحم لا استبانة ولا تمايز فيها ،
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
أي : غالبها ومعظمها ، أو كلها
عِظاماً
، بأن صلبناها ، وجعلناها عمودا على هيئة وأوضاع مخصوصة ، تقتضيها الحكمة ،
فَكَسَوْنَا الْعِظامَ
المعهودة
لَحْماً
بأن أنبتنا عليها اللحم ، فصار لها كاللباس ، أو كسونا كل عظم من تلك العظام ما يليق به من اللحم ، على مقدار لائق به ، وهيئة مناسبة . وقرىء بالإفراد فيهما ، اكتفاء بالجنس ، وبتوحيد الأول فقط ، وبتوحيد الثاني فحسب .
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
أي : خلقا مباينا للخلق الأول ، حيث جعله حيوانا ، وكان جمادا ، وناطقا وسميعا وبصيرا ، وكان بضد هذه الصفات ، ولذلك قال الفقهاء : من غصب بيضة فأفرخت عنده ضمّن البيضة ، ولم يردّ الفرخ ؛ لأنه خلق آخر سوى البيضة .
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
أي : فتعالى أمره في قدرته الباهرة ، وعلمه الشامل . والالتفات إلى الاسم الجليل ؛ لتربية المهابة ، وإدخال الروعة ، والإشعار بأنّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية ، وللإيذان بأنّ من حق كل من سمع ما فصّل من آثار قدرته تعالى أو لا حظه ، أن يسارع إلى التكلم به ، إجلالا وإعظاما لشؤونه تعالى ، وقوله :
( أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )
: بدل من اسم الجلالة ، أو نعت ، على أنّ الإضافة محضة ؛ ليطابقه في التعريف ، أو خبر ، أي : هو أحسن الخالقين خلقا ، أي : أحسن المقدرين تقديرا ، فحذف التمييز ؛ لدلالة الخالقين عليه . قيل : إنّ عبد اللّه بن أبي سرح كان يكتب الوحي للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلمّا انتهى - عليه الصلاة والسّلام - إلى قوله :
خَلْقاً آخَرَ
، سارع عبد اللّه إلى النطق بذلك ، فنطق بذلك ، قبل إملائه ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اكتب ، هكذا
هامش
( 1 ) الآيتان 7 - 8 من سورة السجدة .