تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
قلت :
رَحْمَةً
: مفعول لأجله ، أو حال . يقول الحق جل جلاله :
وَما أَرْسَلْناكَ
يا محمد
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
أي : ما أرسلناك بما ذكر من الشرائع والأحكام ، وغير ذلك ؛ مما هو مناط سعادة الدارين ، لعلة من العلل ، إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبة . أو ما أرسلناك في حال من الأحوال ، إلا حال كونك رحمة لهم ، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين ، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين ، ومن لم يضرب له في هذه المغانم بسهم فإنما أوتى من قبل نفسه ، حيث فرط في اتباعه ، وقيل : إنه رحمة حتى في حق الكفار في الدنيا ؛ بتأخير عذاب الاستئصال ، والأمن من المسخ والخسف والغرق ، حسبما نطق به قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
« 1 » .
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
أي : ما يوحى إلىّ إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد ؛ لأنه المقصود الأصلي من البعثة ، وأما ما عداه فإنما هو من الأحكام المتفرعة عليه ، لا يصح بدونه . و « إنما » الأولى : لقصر الحكم على الشيء ، كقولك : إنما يقوم زيد ، والثانية : لقصر الشيء على الحكم ، كقولك : إنما زيد قائم ، أي : إنما يوحى إلىّ وحدي أنما إلهكم واحد .
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
أي : مخلصون العبادة للّه وحده ، أو منقادون لما أمركم به من الإسلام ؟ والاستفهام بمعنى الأمر ، أي : أسلموا .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
عن الإسلام ، ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من استماع الوحي ،
فَقُلْ آذَنْتُكُمْ
أي : أعلمتكم ما أمرت به ، أو بمحاربتى لكم ومخالفتي لدينكم ، لتكونوا
عَلى سَواءٍ
، أو كائنين على سواء في الإعلام به ، لم أطوه عن أحد منكم ، أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به من الشرائع ، لم أظهر بعضكم على شئ كتمته عن غيره . وفيه دليل بطلان مذهب الباطنية . قيل : وهذه من فصاحة القرآن وبلاغته .
وَإِنْ أَدْرِي
أي : ما أدرى
أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ
من البعث والحساب متى يكون ؛ لأن اللّه تعالى لم يطلعنى عليه ، ولكن أنبأني أنه آت لا محالة ، وكل آت قريب . ولذلك قال :
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ
« 2 » ، أو : لا أدرى متى يحل بكم العذاب ، أو ما توعدون من إظهار المسلمين وظهور الدين ،
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ
أي : إنه عالم بكل شئ ، يعلم ما تجهرون به ؛ من الطعن في الإسلام وتكذيب الآيات ، وما تكتمونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين ، فيجازيكم عليه نقيرا وقطميرا .
وَإِنْ أَدْرِي
هامش
( 1 ) الآية 33 من سورة الأنفال . ( 2 ) من الآية 97 من سورة الأنبياء .