تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ثم ذكر أوصاف ذلك اليوم ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 104 ]

يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) قلت : « يوم » : ظرف لاذكر ، أو لقوله : « لا يحزنهم الفزع » ، أو لتتلقاهم . والسجل : الصحيفة ، والكتاب : مصدر ، و « كما بدأنا » : منصوب بمضمر ، يفسره ما بعده ، و « ما » : موصولة . يقول الحق جل جلاله : واذكر
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ
؛ وذلك يوم الحشر والناس في الموقف ، فتجمع وتكوّر وتطوى
كَطَيِّ السِّجِلِّ
؛ الصحيفة لكتاب أي : لأجل الكتابة فيها ؛ لأن الكاتب يطوى الصحيفة على اثنين ؛ ليكتب فيها . فاللام للتعليل ، أو بمعنى « على » ، أي : كطى الصحيفة على الكتابة التي فيها ، لتصان ، وقرأ أبو جعفر : « تطوى » ؛ بالبناء للمفعول . وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها . وأصل الطي : الدرج ، الذي هو ضد النشر . وقرأ الأخوان وحفص :
( لِلْكُتُبِ )
بالجمع ، أي : للمكتوبات ، أي : كطى الصحيفة ؛ لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها ، أو كطيها عليها ؛ لتصان . فالكتاب أصله مصدر ، كالبناء ، ثم يوقع على المكتوب . وقيل : السجل : ملك يطوى كتب ابن آدم ، إذا رفعت إليه ، فالكتاب ، على هذا ، اسم للصحيفة المكتوب فيها ، والطي مضاف إلى الفاعل ، وعلى الأول : إلى المفعول .
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
أي : نعيد ما خلقنا حين نبعثهم ، كما بدأناهم أول مرة ، فالتنوين في « خلق » مثله في قولك : أول رجل جاءني ، تريد أول الرجال . والتقدير : كما بدأنا أول الخلائق ، نعيدهم حفاة عراة غرلا . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا . وأول من يكسى إبراهيم خليل اللّه » « 1 » ، أي : لأنه جرد في ذات اللّه ، فقالت عائشة - رضى اللّه عنها - : واسوءتاه ! فلا يحتشم الناس بعضهم من بعض ؟ فقال : « لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » « 2 » . ثم قرأ - عليه الصلاة والسلام - :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
.
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( أحاديث الأنبياء ، باب قول اللّه تعالى : « واتخذ اللّه إبراهيم خليلا » ) ومسلم في ( الجنة وصفه نعيمها ، باب فناء الدنيا ) ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه . ، ( 2 ) هذا ليس من الحديث السابق . بل هو حديث آخر ، أخرجه مسلم في الموضع السابق ، عن السيدة عائشة ، بلفظ : « يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ، قلت : يا رسول اللّه ؛ النساء والرجال جميعا ، ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : « يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض » .