تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
بالمعروف . ه . قلت : وعارفين متمكنين ، علماء باللّه ربانيين . ثم قال : وغير ذلك من أنواع أهل الحسنى ، ولا يلزم اجتماعهم ، بل يكونون متفرقين في أقطار . ه . قلت : وفيه نظر ؛ لأن مراد الآية الأمة كلها ، كما قال القشيري ، ومراد الحديث بعضها ، فلا يليق أن يكون تفسيرا لها ، وهي أعم منه . وقيل : المراد بالأرض : أرض الشام ، وقيل : أرض الجنة . ثم قال تعالى :
إِنَّ فِي هذا
أي : ما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظ البالغة ، والوعد والوعيد ، والبراهين القاطعة الدالة على التوحيد وصحة النبوة ،
لَبَلاغاً
أي : كفاية ، أو سبب بلوغ إلى البغية ، من رضوان اللّه تعالى ، ومحبته ، وجزيل ثوابه ، فمن تبع القرآن وعمل به ، وصل إلى ما يرجو من الثواب العظيم ، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر ، فهو بلاغ وزاد
لِقَوْمٍ عابِدِينَ
أي : لقوم همتهم العبادة دون العادة . وباللّه التوفيق . الإشارة : قد أورث اللّه أرضه وبلاده لأهل التوجه إلى اللّه ، والإقبال عليه . فوراثة كل أحد على قدر توجهه وإقباله على مولاه . والمراد بالوراثة : التصرف بالهمة ونفوذ الكلمة في صلاح الدين وهداية المخلوقين ، وهم على قسمين : قسم يتصرف في ظواهر الخلق بإصلاح ظواهرهم ، وهم العلماء الأتقياء ، فهم يبلغون الشرائع والأحكام ، لإصلاح نظام الإسلام ، وقد تقدم تفصيلهم في سورة التوبة عند قوله تعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ . . .
« 1 » إلخ ، وقسم يتصرفون في بواطنهم ؛ وهم أهل التصرف العارفون باللّه ، على اختلاف مراتبهم ؛ من غوث وأقطاب وأوتاد ، وأبدال ، ونجباء ، ونقباء ، وصالحين ، وشيوخ مربين ، فهم يعالجون بواطن الناس بالتربية بالهمة والحال والمقال ، حتى يتطهر من يصحبهم من الرذائل ، ويتحلي بأنواع الفضائل ، فيتأهل لحضرة القدس ومحل الأنس . وهؤلاء حازوا الوراثة النبوية كلها ، كما قال ابن البنا في مباحثه :
تبعه العالم في الأقوال * والعابد الزاهد في الأفعال
وبهما الصوفي في السباق * لكنه قد زاد بالأخلاق .
ثم ختم ذكر الأنبياء - عليهم السلام - بذكر سيد الوجود ، وعين الرحمة ، ومنبع الكرم والجود ، وهو نبينا - عليه الصلاة والسلام - فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 107 إلى 112 ]

وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ( 110 ) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 111 ) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 112 )
هامش
( 1 ) الآية 122 من سورة التوبة .