تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
كما بدأناه من الماء نعيده كيوم ولدته أمه . قلت : قد استدل بعضهم ، بظاهر الآية والحديث ، أن أهل الجنة ليس لهم أسنان ، ولا دليل فيه ؛ لأن المقصود من الآية : الاستدلال على كمال قدرته تعالى ، وعلى البعث الذي تنكره الكفرة ، لا بيان الهيئة ، وعدم وجودها نقصان ، ولا نقص في الجنة . ثم أكد الإعادة بقوله :
وَعْداً عَلَيْنا
أي : نعيده وعدا ، فهو مصدر مؤكد لغير فعله ؛ بل لما في « نعيده » من معنى العدة ، أي : وعدنا ذلك وعدا واجبا علينا إنجازه ؛ لأنا لا نخلف الميعاد ،
إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
لما ذكرنا لا محالة ، فاستعدوا له ، وقدّموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال . وباللّه التوفيق . الإشارة : إذا أشرقت على القلب شموس العرفان ، انطوت عن مشهده وجود الأكوان ، وأفضى إلى فضاء العيان ، فلا سماء تظله ولا أرض تحمله ، وفي ذلك يقول الششتري رضى اللّه عنه :
لقد تجلى ما كان مخبى * والكون كلّ طويت طي
وهذا غاية من سبقت له من اللّه الحسنى ، فأشرقت عليه أنوار التوجه في البداية ، وأنوار المواجهة في النهاية ، فزاحت عنه الأكوان ، وفاضت عليه بحار أسرار العرفان ، فصار يتصرف بهمته في الوجود بأسره ، كما قال تعالى :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 105 إلى 106 ]

وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ
كتاب داود عليه السّلام ،
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
: التوراة ، أو اللوح المحفوظ ،
أَنَّ الْأَرْضَ
أي : جنس الأرض ، يعنى : مشارقها ومغاربها ،
يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
وهم أمة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ففي الآية ثناء عليهم وبشارة لهم ، وإخبار بظهور غيب تحقق ظهوره في الوجود ؛ من فتح اللّه على هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها ، كقوله :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
« 1 » . وقال القشيري : على قوله :
عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
: هم أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - وهم بجملتهم قوم صالحون لنعمته ، وهم المطيعون ، وآخرون صالحون لرحمته وهم العاصون . ه . قال في الحاشية الفاسية : والظاهر أن حديث : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه » ، مفسر للآية ، وموافق لوعدها . قيل : وهذه الطائفة مفترقة من أنواع المؤمنين ، ممن فيه عائدة على الدين ونفع له ؛ من شجعان مقاتلين ، وفقهاء ومحدّثين ، وزهاد وصالحين ، وناهين وآمرين
هامش
( 1 ) من الآية 55 من سورة النور .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 504 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان