تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
قوله تعالى :
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ
« 1 » والأنبياء - عليهم السلام - بشر عبيد ، قد تعمهم القهرية ، ولا تقدح في منصبهم ، وليس صعقهم خوفا ، لكن غلبة ودهشا ، كما صعق موسى - عليه السّلام عند الرؤية ، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - حين تجلى له جبريل على صورته . واللّه أعلم . وقال جعفر الصادق : وكيف يسمعون حسيسها ، والنار تخمد بمطالعتهم ، وتتلاشى برؤيتهم ؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن : جز . . إلخ . ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة ، قوله تعالى :
وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ
من النعيم
خالِدُونَ
: دائمون ، والشهوة : طلب النفس للذة . وهو بيان لفوزهم بالمطالب ، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب ، أي : دائمون في غاية التنعم ،
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
، وهو القيام من القبور عند صيحة البعث ، بدليل قوله :
وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
. قال ابن عباس : « تتلقاهم الملائكة بالرحمة ، عند خروجهم من القبور » ، قائلين :
هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
بالكرامة والثواب ، والنعيم المقيم فيه ، أي : بعد دخولكم الجنة . وقال الحسن : الفزع الأكبر : الانصراف إلى النار . وعن الضحاك : حين يطبق على أهل النار . وقيل : حين نفخة الصعق ، وقيل : حين يذبح الموت . قلت : من سبقت له الحسنى ينجو من جميعها . وقيل : تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة ، مهنئين لهم قائلين : ( هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) في الدنيا ، ويبشرون بما فيه من فنون المثوبات على الإيمان والطاعات . وهذا ، كما ترى ، صريح في أن المراد بالذين سبقت لهم الحسنى : كافة المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة ، لا من ذكر ؛ من المسيح ، وعزير ، والملائكة ، كما قيل . قاله أبو السعود ، قلت : وقد يجاب بأنها نزلت في شأنهم وتعم غيرهم ؛ لأن سبب النزول لا يخصص . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال الجنيد رضى اللّه عنه :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
أي : سبقت لهم منا العناية في البداية ، فظهرت لهم الولاية في النهاية . ه .
( أُولئِكَ عَنْها )
أي : عن نار القطيعة ، وهي أغيار الدنيا ، مبعدون ، لا يسمعون حسيسها ، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن ، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل باللّه تعالى ، فهم فيما اشتهت أنفسهم ؛ من لذة الشهود ، والقرب من الملك الودود ، خالدون دائمون ، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة ، وتتلقاهم الملائكة بالبشرى بالوصول ، هذا يومكم الذي كنتم توعدون ، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب ، عند مليك مقتدر . منحنا اللّه من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه .
هامش
( 1 ) من الآية 23 من سورة الفجر .