وجحدها ؛ لبيان كمال تنزهه تعالى عنه . وعبّر عن العمل بالسعي ؛ لإظهار الاعتداد به ،
وَإِنَّا لَهُ
أي : لسعيه
كاتِبُونَ
؛ مثبتون في صحائف أعمالهم ، نأمر الحفظة بذلك ، لا نغادر من ذلك شيئا . واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : الصوفية - رضى اللّه عنهم - ، في حال سيرهم إلى الحضرة وسلوكهم في طريق التربية ، مختلفون بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص . وفي حال نهايتهم - وهو الوصول إلى حضرة الشهود والعيان ، وإشراق شمس العرفان ، الذي هو مقام الإحسان ، ويعبّرون عنه بالفناء والبقاء ، وهو التوحيد الخاص - متفقون ، وفي ذلك يقول القائل :
عباراتنا شتى ، وحسنك واحد * وكلّ إلى ذاك الجمال يشير
لأن ما كان ذوقا ووجدا لا يختلف ، بل يجده كل من له ذوق سليم . نعم تتفاوت أذواقهم على حسب مشاربهم ، ومشاربهم على حسب إعطائهم نفوسهم وبيعها للّه ، وتتفاوت أيضا بحسب التخلية والتفرغ ، وبحسب الجد والاجتهاد ، وكلهم على بصيرة من اللّه وبينة من ربهم . نفعنا اللّه بذكرهم ، وخرطنا في سلكهم ، آمين .
ثم تمم قوله :
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
، فقال :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 95 إلى 97 ]
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 95 ) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ( 96 ) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ ( 97 )
قلت : « حرام » : مبتدأ ، وفيه لغتان : حرام وحرم ، كحلال وحلّ . و « أنهم . . » إلخ : خبر ، أو فاعل سد مسده ، على مذهب الكوفيين والأخفش . والجملة : تقرير لقوله :
( كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ )
، و « لا » نافية ، أي : ممتنع على قرية أهلكناها عدم رجوعهم إلينا بالبعث ، بل كل إلينا راجعون . وقيل : « لا » زائدة ، والتقدير : ممتنع رجوع قرية أردنا إهلاكها عن غيهم ، « فإنهم » : على هذا : فاعل بحرام . قاله القصار . و « حتى » : ابتدائية ، غاية لما يدل عليه ما قبلها ، أي : يستمرون على ما هم عليه من الهلاك ، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا ، ويقولون : يا ويلنا . وقال أبو البقاء : « حتى » :
متعلقة في المعنى بحرام ، أي : يستقر الامتناع ، أي : هذا الوقت . و « فإذا هي » : جواب « إذا » . وفي الأزهري : وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية ؛ تأكيدا ، خلافا لمن منع ذلك . قال تعالى :
( فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ )
، فإنه لو قيل : إذا هي ، أو فهي شاخصة لصح . ه . وقيل : « يا ويلنا » : على حذف القول ، أي : إذا فتحت قالوا : يا ويلهم . و « اقترب » : عطف على « فتحت » .