ثم قال : فعلى المشايخ وقار اللّه ، وبهم يتأدب المريد ظاهرا وباطنا ، قال اللّه تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
« 1 » ، فالمشايخ ، لمّا اهتدوا ، أهلّوا للاقتداء بهم ، وجعلوا أئمة للمتقين ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حاكيا عن اللّه عز وجل : « إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي ، جعلت همته ولذّته في ذكرى ، فإذا جعلت همته ولذته في ذكرى ، أحبني وأحببته ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، لا يسهو إذا سها الناس ، أولئك كلامهم كلام الأنبياء ، أولئك الأبطال حقا ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذابا ، ذكرتهم فصرفته بهم عنهم » « 2 » .
انتهى كلامه رضى اللّه عنه .
ومن كلام ذي النون المصري - لمّا تكلم على الأبدال - قال : فهممهم إليه ثائرة ، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة ، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته ، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته ، ثم قال لهم : إن أتاكم عليل من فقدى فداووه ، أو مريض من فراقي فعالجوه ، أو خائف منى فانصروه ، أو آمن منى فحذّروه ، أو راغب في مواصلتى فمنوه ، أو راحل نحوى فزودوه ، أو جبان في متاجرتى فشجعوه ، أو آيس من فضلى فرجّوه ، أو راج لإحسانى فبشروه ، أو حسن الظن بي فباسطوه ، أو معظّم لقدرى فعظموه ، أو مسئ بعد إحسانى فعاتبوه ، أو مسترشد فأرشدوه . ه . وهذه صفة مشايخ التربية على ما شهدناهم ، وما شهدنا إلا بما علمنا . وباللّه التوفيق .
ثم ذكر نبيه لوطا ونوحا - عليهما السّلام - فقال :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 74 إلى 77 ]
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ( 74 ) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 ) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 77 )
قلت : « ولوطا » : إما مفعول بمحذوف يفسره قوله : « آتيناه » أي : وآتينا لوطا ، أو : باذكر . و « نوحا » : مفعول باذكر .
يقول الحق جل جلاله :
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً
أي : حكمة ، أو نبوة أو فصلا بين الخصوم بالحق ،
وَعِلْماً
بنا وبما ينبغي علمه للأنبياء - عليهم السّلام - من علم السياسة ،
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ
؛ اللواطة ، وقذف المارة بالحصى ، وغيرها ، وصفت بصفة أهلها ، وأسندت إليها على حذف
هامش
( 1 ) من الآية 90 من سورة الأنعام .
( 2 ) عزاه في كنز العمال ( 1 / 1872 ) لأبى نعيم في الحلية ، عن الحسن ، مرسلا .