تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
قلت :
( وَداوُدَ )
: عطف على
( نُوحاً )
، أو معمول لاذكر ، و
( إِذْ يَحْكُمانِ )
: ظرف للمضاف المقدر ، أي : اذكر خبرهما ، و
( إِذْ نَفَشَتْ )
: ظرف للحكم .
( فَفَهَّمْناها )
: عطف على
( يَحْكُمانِ )
؛ فإنه في حكم الماضي . يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر خبر
داوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ
أي : وقت حكمهما
فِي الْحَرْثِ
أي : في الزرع ، أو في الكرم المتدلى عناقيده ، والحرث يطلق عليهما ،
إِذْ نَفَشَتْ
: دخلت
فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
فأفسدته ليلا ، فالنفش : الرعي بالليل ، والهمل بالنهار ، وهما الرعي بلا راع .
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
أي : لهما وللمتحاكمين إليهما ، أو على أنّ أقل الجمع اثنان ،
شاهِدِينَ
، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا ، لم يغب عنا شئ منه ،
فَفَهَّمْناها
أي : الحكومة ، أو الفتوى ،
سُلَيْمانَ
، وفيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان . وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره : أن رجلين دخلا على داود عليه السّلام ، أحدهما : صاحب حرث ، والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الزرع : إنّ هذا نفشت غنمه ليلا ، فوقعت في حرثى ، فلم تبق منه شيئا ، فقال له داود : اذهب فإن الغنم لك ، ولعله استوت قيمتاهما - أي : قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث - فخرج الرجلان على سليمان ، وهو بالباب ، وكان ابن إحدى عشرة سنة ، فأخبراه بما حكم به أبوه ، فدخل عليه ، فقال : يا نبي اللّه ؛ لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين ، قال : وما هو ؟ قال : يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها ، حتى يعود زرعها كما كان ، ويأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها ، فإذا كمل الزرع ، ردت الغنم إلى صاحبها ، والأرض بزرعها إلى ربها ، فقال داود : وفقت يا بنى ، وقضى بينهما بذلك . والذي يظهر : أن حكمهما - عليه السّلام - كان باجتهاد ، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي ، فإنّ قول سليمان عليه السّلام : « هذا أرفق » ، وقوله : « أرى أن تدفع . . » إلخ ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي ، وإلا لبت القول بذلك ، ولعله وجه حكم داود عليه السّلام قياس ذلك على جناية العبد ، فإنّ العبد فيما جنى . وإذا قلنا : كان بوحي ، يكون حكم سليمان ناسخا لحكم داود عليه السّلام .