لهم بذلك ، وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين ، أو يهدون الخلق بإرادتنا ومشيئتنا .
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ
وهي جميع الأعمال الصالحة ، أي : أمرناهم أن يفعلوا جميع الخيرات ، ليتم كمالهم بانضمام العمل الصالح إلى العلم ، وأصله : أن يفعلوا الخيرات ، ثم فعل الخيرات ،
وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ
، وهو من عطف الخاص على العام ؛ دلالة على فضله وشرفه ، وأصله : وإقامة الصلاة ، فحذفت التاء المعوضة من إحدى الألفين ؛ لقيام المضاف إليه مقامها .
وَكانُوا لَنا عابِدِينَ
: قانتين مطيعين ، لا يخطر ببالهم غير عبادتنا ومشاهدتنا .
وأنتم يا معشر العرب والعجم من ذريتهم ، فاتبعوهم في ذلك . وباللّه التوفيق .
الإشارة : إنما يعظم جاه العبد عند اللّه بثلاثة أمور : انحياشه بقلبه إلى اللّه ، ومسارعته إلى ما فيه رضا اللّه ، وإرشاد العباد إلى اللّه ، بدعائهم إلى اللّه بالحال والمقال ، فبقدر ما يقع من هداية الخلق على يديه يعلو مقامه عند اللّه ، إن حصلت المعرفة باللّه ، وبهذا تعرف شرف مرتبة مشيخة الصوفية ، الدالين على اللّه ، الداعين إلى حضرة اللّه ، إن تكلموا وقع كلامهم في قلوب الخلق ، فيرجعون إلى اللّه من ساعتهم ، مجالسهم كلها وعظ وتذكير ، حالهم ينهض إلى اللّه ، ومقالهم يدل على اللّه ، ففي ساعة واحدة يتوب على يديهم من الخلق ما لا يتوب على يد العالم في سنين ؛ وذلك لإنهاض الحال والمقال ، فلا جرم أنهم أعز الخلق إلى اللّه ، وأعظمهم قدرا عند اللّه .
قال السهروردي في العوارف : ورد في الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم ، إن أحب عباد اللّه إلى اللّه الذين يحبّبون اللّه إلى عباده ، ويحبّبون عباد اللّه إلى اللّه ، ويمشون في الأرض بالنصيحة » . وهذا الذي ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو رتبة المشيخة والدعوة ؛ فإن الشيخ يحبب اللّه إلى عباده حقيقة ، ويحبب عباد اللّه إلى اللّه .
فأما كونه يحبب عباد اللّه إلى اللّه ؛ لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أفعاله وأخلاقه .
ومن صح اقتداؤه واتباعه أحبه اللّه ، قال تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
« 1 » ، ووجه كونه يحبب اللّه إلى عباده ؛ لأنه يسلك بالمريد طريق التزكية ، وإذا تزكت النفس انجلت مرآة القلب ، ودخل فيها نور العظمة الإلهية ، ولاح فيها جمال التوحيد ، وذلك ميراث التزكية ، قال اللّه تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
« 2 » ، وفلاحها : الظفر بمعرفة اللّه ، فإذا عرفه ، قطعا ، أحبه وفنى فيه . فرتبة المشيخة من أعلى الرتب ؛ لأنها خلافة النبوة في الدعوة إلى اللّه .
هامش
( 1 ) من الآية 31 من سورة آل عمران .
( 2 ) من الآية 9 من سورة الشمس .