تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
يقول الحق جل جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - :
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
أي : البقاء الدائم ؛ لكونه مخالفا للحكمة التكوينية والتشريعية ،
أَ فَإِنْ مِتَّ
بمقتضى حكمتنا
فَهُمُ الْخالِدُونَ
بعدك ؟ نزلت حين قالوا : نتربص به رب المنون ، فنفى عنه الشماتة بموته ، فإن الشماتة بالموت مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل ، أي : قضى اللّه ألا يخلد في الدنيا بشرا ، فإن متّ - يا محمد - أيبقى هؤلاء الكفرة ؟ كلا ؛
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
أي : ذائقة مرارة مفارقتها جسدها ، فتستوى أنت وهم فيها ، فلا تتصور الشماتة بأمر عام .
وَنَبْلُوكُمْ
، الخطاب : إما للناس كافة بطريق التلوين ، أو للكفرة بطريق الالتفات ، وسمى ابتلاء ، وإن كان عالما بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم ؛ لأنه في صورة الاختبار ، أي : نختبركم
بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ
، أي : بالفقر والغنى ، أو بالضر والنفع ، أو بالعطاء والمنع ، أو بالذل والعز ، أو بالبلاء والعافية ،
فِتْنَةً
؛ اختبارا ، هل تصبرون وتشكرون ، أو تجزعون وتكفرون . و
« فِتْنَةً »
: مصدر مؤكد « ل
نَبْلُوكُمْ »
، من غير لفظه .
وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
لا إلى غيرنا ، فنجازيكم على حسب ما يؤخذ منكم ؛ من الصبر والشكر ، أو الجزع والكفران . وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الدنيا : الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : لا بد لهذا الوجود بما فيه أن تنهد دعائمه ، وتسلب كرائمه ، ولا بد من الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء ، ومن دار التعب إلى دار الهناء ، ومن دار العمل إلى دار الجزاء . فالعاقل من أعرض بكليته عن هذه الدار ، وصرف وجهته إلى دار القرار ، فاشتغل بالتزود للرحيل ، وبالتأهب للمسير ، فلا مطمع للخلود في هذه الدار ، وقد رحل منها الأنبياء والصالحون والأبرار ، وتأمل قول الشاعر :
صبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع
وقوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
، اعلم أن تخالف الآثار وتنقلات الأطوار على العبد من أفضل المنن عليه ، إن صحبته اليقظة ، فيرجع إلى اللّه تعالى في كل حال تنزل به ، إن أصابته ضراء رجع إلى اللّه بالصبر والرضا ، وإن أصابته سواء رجع إليه بالحمد والشكر ، فيكون دائما في السير والترقي ، وهذا معنى قوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
أي : بهما . فالرجوع إلى اللّه في السراء والضراء من أركان الطريق ، والرجوع إلى اللّه في الضراء بالصبر والرضا ، وفي السراء بالحمد والشكر ، ورؤية ذلك من اللّه بلا واسطة . وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم : « من ابتلى فصبر ، وأعطى فشكر ، وظلم فغفر أو ظلم فاستغفر » ، ثم سكت - عليه الصلاة والسلام - فقالوا : ماله يا رسول اللّه ؟ قال : « أولئك لهم الأمن وهم مهتدون » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن ، إنّ أمره كلّه خير ، وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن ، إن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيرا له » « 2 » .
هامش
( 1 ) عزاه في الجامع الصغير ( ح 8281 ) ، للطبراني والبيهقي ، عن سخبرة ، وحسّنه . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الزهد ، باب : المؤمن أمره كله خير ) ، عن صهيب رضي اللّه عنه .