تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
غروبها فافعلوا ، ثم تلا هذه الآية :
« وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها »
« 1 » ففيه ترجيح من فسرها بالصلاة ، وفيه إشارة إلى أن الصلاة ذكر وإقبال على الله وانقطاع إليه ، وذلك مزرعة المشاهدة والرؤية في الآخرة . وقد جاء في أهل الجنة : « أنهم يرون ربهم بكرة وعشيا » ، هذا في حق العموم ، وأما خصوص الخصوص ، ففي كل ساعة ولحظة . والله تعالى أعلم . الإشارة : أفلم يهد لأهل الإيمان والاعتبار ، وأهل الشهود والاستبصار ، كم أهلكنا قبلهم من القرون الخالية ، والأمم الماضية ، فهم يمشون في مساكنهم الدارسة ، ويشاهدون آثارهم الداثرة ، كيف رحلوا عنها وتركوها ، واستبدلوا ما كانوا فيه من سعة القصور بضيق القبور ، وما كانوا عليه من الفرش الممهدة بافتراش التراب وتغطية اللحود الممددة ، فيعتبروا ويتأهبوا للحوق بهم ، فقد كانوا مثلهم أو أشد منهم ، قد نما ذكرهم ، وعلا قدرهم ، وخسف بعد الكمال بدرهم . فكأنهم ما كانوا ، وعن قريب مضوا وبانوا ، وأفضوا إلى ما قدموا ، وانقادوا ؛ قهرا ، إلى القضاء وسلموا ، ففي ذلك عبر وآيات لأولي النهى . لكن القلوب القاسية لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير ، فلو لا كلمة الرحمة والحلم بتأخير العذاب ، وأجل مسمى لأعمارهم ؛ لعجل لهم العقاب . فاصبر ، أيها المتوجه إلى الله ، المنفرد بطاعة مولاه ، على ما يقولون ، مما يكدر القلوب ، واشتغل بذكر ربك وتنزيهه ، مع الطلوع والغروب وآناء الليل والنهار ، حتى تغيب في حضرة علام الغيوب ، لعلك ترضى بمشاهدة المحبوب . وبالله التوفيق . ولمّا كان محصل الاعتبار هو صرف الهمة عن هذه الدار ، أمر به نبيه صلى اللّه عليه وسلم ومن كان على قدمه ، فقال :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 131 إلى 132 ]

وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) قلت :
( زَهْرَةَ )
: مفعول بمحذوف ، يدل عليه
( مَتَّعْنا )
أي : أعطينا ، أو على الذم ، وفيه لغتان : سكون الهاء وفتحها .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري ( كتاب مواقيت الصلاة ، باب فضل صلاة العصر ) ، ومسلم ( كتاب المساجد ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر ) من حديث جرير بن عبد الله . ووقع عند مسلم أن الذي قرأ الآية هو جرير ، راوي الحديث .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 435 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان