تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
قال الورتجبي : ونحشره يوم القيامة أعمى ، يعنى : جاهلا بوجود الحق ، كما كان جاهلا في الدنيا ، كما قال علىّ - كرم الله وجهه - : من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة . وقيل : عن رؤية أوليائه وأصفيائه . ه . وقال القشيري : في الخبر : « من كان بحالة لقى اللّه بها » « 1 » . فمن كان في الدنيا أعمى القلب ، يحشر على حالته ، يعيش على ما جهل ، ويحشر على ما جهل ، ولذلك يقولون : ( من بعثنا من مرقدنا ) ؟ إلى أن تصير معارفهم ضرورية ، كما يتركون التدبّر في آياته يتركون غدا في العقوبة من غير رحمة على ضعف حالاتهم . ه . وكذلك نجزى من أسرف بالعكوف على شهواته ، واغتنام أوقات لذاته ، حتى انقضت أيام عمره في البطالة ، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب ، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه ؛ وهم الدعاة إلى الله . ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى ؛ لدوامه واتصاله ، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب ، والتخلف عن حضرة الأحباب . وبالله التوفيق . ثم حضّ على الاعتبار في هذه الدار ، فقال :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 128 إلى 130 ]

أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) قلت :
( أَ فَلَمْ )
: الهمزة للإنكار التوبيخي ، والفاء للعطف على محذوف ، أي : أغفلوا فلم يهد لهم . وعدي الهداية باللام لتضمنها معنى التبيين ، والفاعل مضمون
( كَمْ أَهْلَكْنا )
، أي : أفلم يبين لهم مآل أمرهم كثرة إهلاكنا للقرون الأولى ؟ وقيل : الفاعل ضمير عائد إلى الله . و
( كَمْ . . )
إلخ : معلق للفعل سد مسد مفعوله . أي : أفلم يبين الله لهم كثرة إهلاك القرون من قبلهم ؟ والأوجه : أن لا يلاحظ له مفعول ، كأنه قيل : أفلم يفعل الله لهم الهداية ، ثم قيل بطريق الالتفات : كم أهلكنا . . إلخ ؛ بيانا لتلك الهداية . و
( مِنَ الْقُرُونِ )
: في محل نصب ، نعت لمفعول محذوف ، أي : قرنا كائنا من القرون .
هامش
( 1 ) يؤيد هذا قوله - صلى اللّه عليه وسلم : « من مات على شئ بعثه الله عليه » . أخرجه أحمد في المسند ( 3 / 314 ) ، والحاكم في المستدرك ( 4 / 312 ) من حديث جابر رضي اللّه عنه .