تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
وجملة
( يَمْشُونَ )
: حال من القرون ، أي : أهلكناهم وهم في حال أمن وتقلب في ديارهم ، أو من الضمير في
« لَهُمْ »
، مؤكد للإنكار ، والعامل :
« يَهْدِ »
، والمعنى : أفلم يهد لهم إهلاكنا للقرون السالفة ، كقوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة ، حال كونهم ، أي : قريش - ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام ، و
( أَجَلٌ مُسَمًّى )
: عطف على
( كَلِمَةٌ )
، أو استئناف ، أي : وأجل مسمى حاصل لهم . يقول الحق جل جلاله :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
أي : أو لم يبين لهم عاقبة أمرهم
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
أي : كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم ، وهم
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ
إذا سافروا إلى الشام ، كأصحاب الحجر ، وثمود ، وفرعون ، وقوم لوط ، مشاهدين لآثار ديارهم خاربة ، مع علمهم بما جرى عليهم ، بسبب تكذيبهم ، فإنّ ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق ، فيعتبروا ، لئلا يحل بهم مثل ما حلّ بأولئك ، أو :
أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ
كثرة إهلاكنا للقرون السالفة قبلهم ، حال كونهم آمنين ،
يَمْشُونَ
في ديارهم ويتقلبون في رباعهم
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ *
« 1 » .
إِنَّ فِي ذلِكَ
الإهلاك الفظيع
لَآياتٍ
كثيرة عظيمة واضحة الهداية ، دالة على الحق
لِأُولِي النُّهى
؛ لذوي العقول الناهية عن القبائح ، التي من أقبحها ما يتعاطاه كفار مكة من الكفر بآيات الله ، والتعامي عنها ، وغير ذلك من فنون المعاصي .
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
، وهو تأخير العذاب عن هذه الأمة إلى الآخرة ؛ لحكمة ، لعجلنا لهم الهلاك كما عجلنا لتلك القرون المهلكة ، التي يمرون عليها ولا يعتبرون ، فأصروا على الكفر والعصيان ، فلو لا تلك العدة بتأخير العذاب
لَكانَ لِزاماً
أي : لكان عقاب جناياتهم لازما لهؤلاء الكفرة ، بحيث لا يتأخرون عن جناياتهم ساعة ، لزوم ما أنزل بأولئك الغابرين ، وفي التعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - تلويح بأن ذلك التأخير تشريف له صلى اللّه عليه وسلم ، كما ينبئ عنه قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
« 2 » واللزام : مصدر لازم ، وصف به ؛ للمبالغة ،
وَأَجَلٌ مُسَمًّى
أي : لولا كلمة سبقت بتأخيرهم ، وأجل مسمى لأعمارهم أو عذابهم ، وهو يوم القيامة ، أو يوم بدر ، لما تأخر عذابهم أصلا . وإنما فصله عما عطف عليه ، للمسارعة إلى بيان جواب
« لَوْ لا »
، وللإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب المعجل ، ومراعاة فواصل الآية الكريمة .
هامش
( 1 ) كما جاء في الآية 78 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 33 من سورة الأنفال .