تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
الجوارح ، إن لم يكن معها إصرار ، فقد توجب القرب من الكريم الغفار ؛ « معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » ، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول . وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردا وإبعادا ، ومخالفة آدم ؛ حيث كانت بالجوارح أورثت قربا واجتباء . والحاصل : أن كل ما يردّ العبد إلى مولاه ، ويحقق له العبودية والانكسار ، فهو شرف له وكمال ، وكل ما يقوى وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد ، كائنا ما كان ، فالعصمة والحفظة إنما هي من المعاصي القلبية ، أو من الإصرار ، وأما معاصي الجوارح فيجرى على العبد ما كتب ، ولا تنقصه ، بل تكمله ، كما تقدم . فالتنزيه إنما يكون من النقائص ، وهي التي توجب البعد عن الحق ، لا مما يؤدى إلى الكمال ، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صورته المعصية ، ليس بنقص ، إنما هو كمال . وكذا ما يصدر من الأولياء ، على سبيل الهفوة ، فتأمله ، ولا تبادر بالاعتراض ، حتى تصحب الرجال ، فيعلموك النقص من الكمال . قال الواسطي : العصيان لا يؤثر في الاجتبائية ، وقوله :
وَعَصى
أي : أظهر خلافا ، ثم أدركته الاجتبائية ، فأزالت عنه مذمة العصيان ، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله :
فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
. ه . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : ( نعمت المعصية أورثت الخلافة ) . واعلم أن آدم عليه السّلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق ، قال تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 1 » ؛ فقد استخلفه قبل أن يخلفه ، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب ، فكان أكله سببا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض ، فهو نزول حسا ، ورفعة معنى ، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية ، فيرتفع قدره عند الله . وقوله تعالى :
( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ )
، هذا فيمن غلبت عليه الطينية الإمشاجية ، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون ، أخلاء متقون ، قال تعالى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
« 2 » . وقوله تعالى :
( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً )
أي : داع يدعو إلىّ ، ويهدى إلى معرفتي ودخول حضرتي ، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم ، فلا يضل ولا يشقى ، بل يهتدى ويسعد السعادة العظمى . ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم ، وتنكب عن صحبتهم ، فإن له معيشة ضنكا ، مصحوبة بالحرص والطمع ، والجزع والهلع ، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا ، فلا يرى إلا الأكوان الحسية ، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية . قال ربّ لم حشرتنى أعمى عن شهود أسرار المعاني ، عند رؤية الأواني ، وقد كنت بصيرا في الدنيا ببصر الحس ؟ قال : كذلك أتتك آياتنا ، وهم الأولياء العارفون ، فنسيتها ، ولم تحتفل بشأنها ، وكذلك اليوم تنسى ؛ لأن المرء يموت على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه .
هامش
( 1 ) من الآية 30 من سورة البقرة . ( 2 ) الآية 67 من سورة الزخرف .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 431 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان