تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
يقول الحق جل جلاله :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ
بما ذكر من أكل الشجرة
فَغَوى
أي : ضل عن مطلوبه ، الذي هو الخلود ، بل ترتب عليه نقيضه ، فكان تأميل ذلك باطلا فاسدا ؛ لأنه خلاف القدر ، أو عن الرشد ، حيث اغتر بقول العدو . وقال الكواشي : فعل فعلا لم يكن له فعله ، أو أخطأ طريق الحق ، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه ، فخاب ولم ينل مراده . ه . وفي وصفه عليه السّلام بالعصيان والغواية ، مع صغر زلته ، تعظيم لها ، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها .
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ
، أي : اصطفاه وقرّبه إليه ، بالحمل على التوبة والتوفيق لها . وفي التعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره ، مزيد تشريف له عليه السّلام ، يعنى : آدم .
فَتابَ عَلَيْهِ
أي : قبل توبته حين تاب هو وزوجته ، قائلين :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا . . .
« 1 » الآية .
وَهَدى
أي : هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة . وإفراد آدم عليه السّلام بقبول توبته واجتبائه ؛ لأصالته في الأمور ، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها .
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ
« 2 » .
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
، وهو استئناف بيانى ، كأنّ سائلا قال : فما قال تعالى بعد قبول توبته ؟ فقيل : قال له ولزوجته :
( اهْبِطا مِنْها )
أي : انزلا من الجنة إلى الأرض ، حال كونكم
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
أي : متعادين في أمر المعاش ، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين . والجمع ؛ لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد . وفي اللباب : ولما أهبطوا إلى الأرض ألقى آدم يده تحت خده ، وبكى مائة سنة ، وألقت حواء يدها على رأسها ، وجعلت تصيح وتصرخ ، فبقيت سنة في النساء . ولم يزل آدم يبكى حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع ، وجرى من عينيه على الأرض جدولان ، يجريان إلى قيام الساعة . وأهبط آدم على ورقة من ورق الجنة ، كان يتستر بها ، وفي يده قبضة من ريحان الجنة ، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياح في أرض الهند ، فصار أكثر نباتها طيبا . انظر بقية كلامه .
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
أي : هداية من رسول وكتاب يهدى إلى الوصول إلىّ ، أي : سيأتيكم منى رسل وكتاب . والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما .
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ
بأن آمن بالرسل وبما جاءوا به من عند الله
فَلا يَضِلُّ
في الدنيا
وَلا يَشْقى
في الآخرة . ووضع الظاهر موضع المضمر يعنى : من اتبع هداي ، مع الإضافة إلى ضميره تعالى ؛ لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : ( من قرأ الفرقان ، واتبع ما فيه ، هداه الله من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، وذلك لأن الله تعالى يقول :
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ
« 3 » ؛ أي : كتابي ورسولي ،
فَلا يَضِلُّ
في الدنيا ،
وَلا يَشْقى
في الآخرة . ) وفي لفظ آخر : ( أجار الله
هامش
( 1 ) من الآية 23 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 34 من سورة النساء . ( 3 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 16 / 255 ) موقوفا ، وعزاه السيوطي في الدر ( 4 / 556 ) لابن أبي شيبة والطبراني وأبى نعيم في الحلية وابن مردويه ، مرفوعا .