تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
فأحب أن يأكل من الشجرة ؛ ليتناول الملكية ، التي هي في ظنه أفضل ، لا سيما وقد قال سبحانه :
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
« 1 » ، قال آدم عليه السّلام : ( ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا ) ، فكان كما قال الله سبحانه :
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ
. ه . وسئل ابن عطاء عن قوله تعالى :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
؟ فقال : قال آدم عليه السّلام : يا رب لم أدّبتنى ، وإنما أكلت من الشجرة طمعا في الخلود في جوارك ؟ فقال الله : يا آدم طلبت الخلود من الشجرة لا منى ، والخلود بيدي وملكي ، فأشركت بي ، وأنت لا تعلم ، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنسانى في وقت من الأوقات . ه . والحاصل : أنه إمّا أن يحمل النسيان على حقيقته ، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر ، ولا يعارضه :
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ
؛ لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرا ، مع شهود الجبر باطنا ، وإمّا أن يحمل النسيان على الترك ، بتأويل أن النهى ليس على التحتم ، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل ، فقدمه ؛ لأنه أرجح عنده . قاله المحشى . وقوله تعالى :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ . . .
الآية ، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعا ، فإن أبيح بعضه ومنع البعض فلا توسعة ، فلأن تترك مباحا خير من أن تقع في محرم ، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح ، خوفا من الوقوع في المحرم . والله الهادي إلى سواء الطريق . ثم قال تعالى :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 122 إلى 127 ]

ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 ) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 )
هامش
( 1 ) الآية 21 من سورة الأعراف .