تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
وَاشْرَبِي
من ذلك السرى ،
وَقَرِّي عَيْناً
؛ وطيبي نفسا وارفضى عنك ما أحزنك وأهمك ، فإنه تعالى قد نزه ساحتك عن التهم ، بما يفصح به لسان ولدك من التبرئة . أو : وقرى عينا بحفظ اللّه ورعايته في أمورك كلها . وقرة العين : برودتها ، مأخوذ من القرّ ، وهو البرد ؛ لأن دمع الفرح بارد ، ودمع الحزن سخن ، ولذلك يقال : قرة العين للمحبوب ، وسخنة العين للمكروه .
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
آدميا كائنا من كان
فَقُولِي
له إن استنطقك أو لامك :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
أي : صمتا ، وقرىء كذلك ، وكان صيامهم السكوت ، فكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام . وذكر ابن العربي في الأحوذي : أن نبينا - عليه الصلاة والسلام - اختص بإباحة الكلام لأمته في الصوم ، وكان محرما على من قبلنا ، عكس الصلاة . ه . قالت :
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
أي : بعد أن أخبرتكم بنذرى ، وإنما أكلم الملائكة أو أناجى ربى . وقيل : أمرت بأن تخبر عن نذرها بالإشارة . قال الفراء : العرب تسمى كل ما وصل إلى الإنسان كلاما ، ما لم يؤكّد بالمصدر ، فإذا أكد لم يكن إلا حقيقة الكلام . ه . وإنما أمرت بذلك ونذرته ؛ لكراهة مجادلة السفهاء ومقاولتهم ، وللاكتفاء بكلام عيسى عليه السّلام ؛ فإنه نص قاطع في قطع الطعن .
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها
عندما طهرت من نفاسها ،
تَحْمِلُهُ
أي : حاملة له . قال الكلبي : احتمل يوسف النجار - وكان ابن عمها - مريم وابنها عيسى ، فأدخلهما غارا أربعين يوما ، حتى تعلّت من نفاسها ، ثم جاءت به تحمله بعد أربعين يوما ، وكلمها عيسى في الطريق ، فقال : يا أمه ، أبشرى ، فإني عبد الله ومسيحه . فلما رآها أهلها ، بكوا وحزنوا ، وكانوا قوما صالحين .
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
أي : فعلت
شَيْئاً فَرِيًّا
: عظيما بديعا منكرا ، من فرى الجلد : قطعه . قال أبو عبيدة : ( كل فائق من عجب أو عمل فهو فرىّ ) . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : في حق عمر رضي اللّه عنه : « فلم أر عبقريا من النّاس يفرى فريّه » « 1 » أي : يعمل عمله .
يا أُخْتَ هارُونَ
، عنوا هارون أخا موسى ؛ لأنها كانت من نسله ، أي : كانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة ، وكان بينها وبينه ألف سنة . أو يا أخت هارون في الصلاح والنسك ، وكان رجلا صالحا في زمانهم اسمه هارون ، فشبهوها به . ذكر لما مات تبع جنازته أربعون ألفا ، كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل . وقيل : إن هارون الذي شبهوها به كان أفسق بني إسرائيل ، فشتموها بتشبيهها به .
ما كانَ أَبُوكِ
عمران
امْرَأَ سَوْءٍ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في مواضع ، منها : ( فضائل الصحابة ، باب مناقب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ) عن عبد اللّه بن عمر ، وأخرجه مسلم في ( فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر رضي اللّه عنه ) عن أبي هريرة ، ولفظ الحديث كاملا كما في البخاري : قال صلى اللّه عليه وسلم : « أريت في المنام أنى أنزع بدلو على بكرة على قليب ، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين نزعا ضعيفا ، واللّه يغفر له ، ثم جاء عمر بن الخطاب ، فاستحالت غربا ، فلم أر عبقريا يفرى فريه ، حتى روى الناس وضربوا بعطن » .