تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
والمشهور : أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم ، وكان جعل ذلك الكتاب في خزانة الملك ، وهو لوح من رصاص أو حجر ، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومهم فقدهم . وقيل : اسم كلبهم . أي : أظننت أنهم
كانُوا
في قصتهم
مِنْ
بين
آياتِنا عَجَباً
أي : كانوا عجبا دون باقي آياتنا ، ليس الأمر كذلك . والمعنى : أن قصتهم ، وإن كانت خارقة للعادة ، ليست بعجيبة ، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق اللّه تعالى على الأرض ، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة ، بل هي عندها كالنزر الحقير . وقال القشيري : أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم ، بما أضاف إلى نفسه بقوله :
( مِنْ آياتِنا )
، وقلب العادة من قبل اللّه غير مستنكر ولا مبتدع . ه . ثم ذكر أول قصتهم ، فقال :
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ
: جمع فتى ، وهو الشاب الكامل ، أي : اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف ، هاربين بدينهم ، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم ، ورأسهم « دقيانوس » ، على ما يأتي في قصتهم .
فَقالُوا
؛ حين دخلوا الغار :
رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ
؛ من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات ،
رَحْمَةً
خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء ،
وَهَيِّئْ
: أصلح
لَنا مِنْ أَمْرِنا
الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم ،
رَشَداً
: هداية نصير بها راشدين مهتدين ، أو : اجعل أمرنا كله رشدا وصوابا ، كقولك : لقيت منك أسدا ، فتكون من باب التجريد ، أو : إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب ، وأصل التهيئة : إحداث هيئة الشيء .
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ
أي : أنمناهم ، شبّه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها ، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحجب عن الشعور عند النوم ؛ لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر ، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبا . والفاء في
( فَضَرَبْنا )
: مثلها في قوله :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
« 1 » ، بعد قوله :
إِذْ نادى
، فإنّ الضرب المذكور ، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال ، والبعث ، وغير ذلك ، إيتاء رحمة لدنّيّة خفية عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية ؛ استجابة لدعوتهم ، أي : فاستجبنا لهم وأنمناهم ،
فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
أي : ذوات عدد ، أو تعدّ عددا ، أو معدودة ، ووصف السنين بذلك : إمّا للتكثير ، وهو الأنسب بكمال القدرة ، أو التقليل ، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من سائر الآيات العجيبة ؛ فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى .
هامش
( 1 ) من الآية 90 من سورة الأنبياء .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 250 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان