تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
إذ ضرب اللّه على آذانهم فناموا ، ونفقتهم عند رؤوسهم . فخرج « دقيانوس » في طلبهم بخيله ورجله ، فوجدهم قد دخلوا الكهف ، فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد منهم أن يدخله ، فلما ضاق بهم ذرعا ، قال قائل منهم : أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى . قال : فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا ؛ جوعا وعطشا ، ففعل فكان شأنهم ما قص اللّه تعالى ، إذ قال :
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ
، استئناف بيانى ، كأن سائلا سأل عن حالهم ، فقال : إنهم فتية شبان كاملون في الفتوة
آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
، فيه التفات إلى ذكر الربوبية التي اقتضت تربيتهم وحفظهم ،
وَزِدْناهُمْ هُدىً
؛ بأن ثبّتناهم على ما كانوا عليه ، وأظهرنا لهم من مكنونات محاسننا ما آثروا به الفناء على البقاء . وفيه التفات إلى التكلم ؛ لزيادة الاعتناء بشأنهم ،
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
أي : قويناهم ، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان ، والنعيم والإخوان ، واجترءوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر ، والرد على دقيانوس الجبار ؛
إِذْ قامُوا
أي : انتصبوا لإظهار شعار الدين ، قال مجاهد : خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد . فقال أكبرهم : إني لأجد في نفسي شيئا ، إن ربى هو رب السماوات والأرض ، فقالوا : نحن أيضا كذلك ، فقاموا جميعا
فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وعزموا على التصميم بذلك . وقيل : قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به ، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام ، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى :
( هؤُلاءِ . . . )
إلخ : منقطعا صادرا عنهم ، بعد خروجهم من عنده . ثم قالوا :
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
، لا استقلالا ولا اشتراكا ، ولم يقولوا : ربا ؛ للتصميم على الرد على المخالفين ، حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة ، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية .
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
: قولا ذا شطط ، وهو الجور والتعدي ، أي : لقد جرنا وأفرطنا في الكفر ، وقلنا قولا خارجا عن حد المعقول ، إن دعونا إلها غير اللّه جزما .
هؤُلاءِ قَوْمُنَا
قد
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
، فيه معنى الإنكار ،
لَوْ لا
: هلا
يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ
: على ألوهيتهم
بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
: بحجة ظاهرة ،
فَمَنْ أَظْلَمُ
أي : لا أحد أظلم
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
بنسبة الشريك إليه ؛ فإنه أظلم من كل ظالم .
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
أي : فارقتموهم
وَ
فارقتم
ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
: فالتجئوا إليه ، والمعنى : وإذ اعتزلتموهم اعتزالا اعتقاديا فاعتزلوهم اعتزالا جسمانيا ،
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ
: يبسط لكم ويوسع عليكم
مِنْ رَحْمَتِهِ
في الدارين ،
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ
الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين ،
مِرْفَقاً
: ما ترتفقون به ، أي : تنتفعون ، وجزمهم بذلك ؛ لنصوع يقينهم ، وقوة وثوقهم بفضل اللّه . واللّه تعالى أعلم .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 253 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان