تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
يقول الحق جل جلاله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي : أو لم يتفكروا ولم يعلموا
أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
من غير مادة ، مع عظمها ،
قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
في الصّغر والحقارة . على أن المثل مقحم ، أي : على أن يخلقهم خلقا جديدا ؛ فإنهم ليسوا أشد خلقا منهم ، ولا الإعادة بأصعب من الإبداء ،
وَجَعَلَ لَهُمْ
أي : لموتهم وبعثهم
أَجَلًا
محققا
لا رَيْبَ فِيهِ
وهو : القيامة .
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً
؛ إلا جحودا ، وضع الظاهر موضع الضمير ؛ تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه .
قُلْ
لهم :
لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
؛ خزائن رزقه وسائر نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات ،
إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ
؛ لبخلتم ،
خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
؛ مخافة النفاد بالإنفاق ، إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه ، ولو آثر غيره بشئ فإنما يؤثره لغرض يفوقه ، فهو إذا بخيل بالإضافة إلى جود اللّه سبحانه ، إلا من تخلق بخلق الرحمن ؛ من الأنبياء وأكابر الصوفية .
وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
؛ مبالغا في البخل ؛ لأن مبنى أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه ، وملاحظة العوض فيما يبذل . يعنى : أن طبع الإنسان ومنتهى نظره : أن الأشياء تتناهى وتفنى ، وهو لو ملك خزائن رحمة اللّه لأمسك خشية الفقر ، وكذلك يظن أن قدرة اللّه تقف دون البعث ، والأمر ليس كذلك ، بل قدرته لا تتناهى ، فهو يخترع من الخلق ما يشاء ، ويخترع من الأرزاق ما يريد ، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته . وبهذا النظر تتصل الآية بما قبلها . انظر ابن عطية . قلت : ويمكن أن تتصل في المعنى بقوله :
( أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا )
، فكأنّ الحق تعالى يقول لهم : لو كانت بيدكم خزائن رحمته ، لخصصتم بالنبوة من تريدون ، لكن ليست بيدكم ، ولو كانت بيدكم ؛ تقديرا ، لأمسكتم خشية الإنفاق ؛ لأن طبع الإنسان البخل وخوف الفقر ، فهو كقوله تعالى :
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
« 1 » ، بعد قوله :
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
« 2 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالم في لحظة ، وأن يفنى ألف عالم في لحظة ، فلا يعجزه شئ من الممكنات . وكما قدر أن يحيى الإنسان بعد موته الحسى ؛ هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي بالجهل والغفلة ، على حسب ما سبق له في المشيئة ، وجعل لذلك أجلا لا ريب فيه ، فلا يجحد هذا إلا من كان ظالما كفورا . قل لمن يخصص الولاية بنفسه ، أو بأسلافه ، وينكر أن يفتح اللّه على قوم كانوا جهالا : لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم الخصوصية عندكم ؛ خشية أن ينفد ما عندكم ، وكان الإنسان قتورا ، لا يحب الخير إلا لنفسه .
هامش
( 1 ) الآية 9 من سورة ص . ( 2 ) الآية 4 من سورة ص .