تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
قلت : من قرأ
« كِسَفاً »
؛ بالتحريك : فهو جمع . ومن قرأ بالسكون : فمفرد . و
( قَبِيلًا )
: حال من « الله » . وحذف حال الملائكة ؛ لدلالة الأول عليه . و
( أَنْ يُؤْمِنُوا )
: مفعول ثان لمنع . و
( إِلَّا أَنْ قالُوا )
: فاعل
« مَنَعَ »
. يقول الحق جل جلاله :
وَقالُوا
أي : كفار قريش ، عند ظهور عجزهم ، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي ، وغيره من المعجزات الباهرة ، معلّلين بما لا يمكن في العادة وجوده ، ولا تقتضى الحكمة وقوعه ، من الأمور الخارقة للعادة ، كما هو ديدن المبهوت المحجوج ، قالوا للنبي - عليه الصلاة والسلام - في جمع من أشرافهم : إن مكة قليلة الماء ، ففجر لنا فيها عينا من ماء ، وهو معنى قوله تعالى :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ
؛ أرض مكة
يَنْبُوعاً
؛ عينا لا ينشف ماؤها . وينبوع : يفعول ، من نبع الماء إذا خرج .
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ
أي : بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة ،
مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ
أي : تجريها بقوة ،
خِلالَها
؛ في وسطها
تَفْجِيراً
كثيرا ، والمراد : إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها ، أو إدامة إجرائها ، كما ينبئ عنه « الفاء » ،
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً
« 1 » ؛ قطعا متعددة ، أو قطعا واحدا ، و
( كَما زَعَمْتَ )
: يعنون بذلك قوله تعالى :
إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ
« 2 » ،
أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا
أي : مقابلا ؛ نعاينه جهرا ، أو ضامنا وكفيلا يشهد بصحة ما تدعيه ،
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ
أي : ذهب . وقرئ به . وأصل الزخرفة : الزينة ،
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ
أي : في معارجها ؛ فحذف المضاف .
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ
أي : لأجل رقيك فيها وحده
حَتَّى تُنَزِّلَ
منها
عَلَيْنا كِتاباً
فيه تصديقك ،
نَقْرَؤُهُ
نحن ، من غير أن يتلقى من قبلك . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : قال عبد اللّه بن أميّة لرسول صلى اللّه عليه وسلم - وكان ابن عمته - : لن أؤمن لك حتّى تتّخذ إلى السماء سلّما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر ، حتّى تأتيها ، وتأتى معك بصك منشور ، معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول . ه . ثم أسلم عبد اللّه بعد ذلك . ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج . ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات ، ما زادهم ذلك إلا مكابرة . وإلا فقد كان يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات ، التي تخر لها صم الجبال . قال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام - :
قُلْ
؛ تعجبا من شدة شكيمتهم . وفي رواية « قال » :
سُبْحانَ رَبِّي
؛ تنزيها له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته . أو تنزيها لساحته - سبحانه - عما لا يليق بها ، من مثل هذه الاقتراحات الشنيعة ، التي تكاد السماوات يتفطرن منها ، أو عن طلب ذلك ، تنبيها على بطلان ما قالوه ،
هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً
لا ملكا ، حتى يتصور منى الرقى في السماء ونحوه ،
رَسُولًا
؛ مأمورا من قبل ربى
هامش
( 1 ) قرأ نافع وابن عامر وعاصم : ( كسفا ) بفتح السين ، أي : قطعا ، جمع كسفة ، وقرأ الباقون : بسكون السين ؛ على التوحيد ، جمع « كسفة » ؛ كسدرة وسدر . انظر : شرح الهداية ( 2 / 390 ) ، والإتحاف ( 2 / 205 ) . ( 2 ) من الآية 9 من سورة سبأ .