مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
؛ هي مسكنهم ،
كُلَّما خَبَتْ
؛ خمدت
زِدْناهُمْ سَعِيراً
؛ توقدا ، أي : كلما سكن لهبها ، وأكلت جلودهم ولحومهم ، ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار وتحرقه ، زدناهم توقدا ؛ بأن بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ومسعرة . ولعل ذلك عقوبة على إنكارهم البعث مرة بعد مرة ، ليروها عيانا ، حيث لم يعلموها برهانا ، كما يفصح عنه قوله :
ذلِكَ
أي : ذلك العذاب
جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ
؛ بسبب أنهم
كَفَرُوا بِآياتِنا
العقلية والنقلية ، الدالة على وقوع الإعادة دلالة واضحة .
وَقالُوا
؛ منكرين البعث أشد الإنكار :
أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
أي : أنوجد خلقا جديدا بعد أن صرنا ترابا ؟ و
« خَلْقاً »
: إما مصدر مؤكد من غير لفظه ، أي : لمبعوثون مبعثا جديدا ، أو حال ، أي : مخلوقين مستأنفين .
الإشارة : من يهده اللّه إلى صريح المعرفة وسر الخصوصية فهو المهتد إليها ، يهديه أولا إلى صحبة أهلها ، فإذا تربى وتهذب أشرقت عليه أنوارها . ومن يضلله عنها ، فلا ينظر ولا يهتدى إلى صحبة أهلها ، فيحشر يوم القيامة محجوبا عن اللّه ، كما عاش محجوبا . يموت المرء على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه ، لا يبصر أسرار الذات في مظاهر النعيم ، ولا ينطق بالمكالمة مع الرحمن الرحيم ، ولا يسمع مكالمة الحق مع المقربين ؛ وذلك بسبب إنكاره لأهل التربية في زمانه ، وقال : لا يمكن أن يبعث اللّه من يحيى الأرواح الميتة بالجهل ؛ بالمعرفة الكاملة .
وفيه إنكار لعموم القدرة الأزلية ، وتحجير على الحق . واللّه تعالى أعلم .
ثم ذكر دلائل عموم قدرته ، فقال :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 99 إلى 100 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ( 99 ) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ( 100 )
قلت :
( وَجَعَلَ )
: عطف على
« قادِرٌ »
؛ لأنه في قوة قدر ، أو استئناف . و
( لَوْ أَنْتُمْ )
: الضمير : فاعل بفعل يفسره ما بعده ، كقول حاتم :
لو ذات سوار لطمتنى « 1 » .
وفائدة ذلك الحذف والتفسير ؛ للدلالة على الاختصاص والمبالغة . وقيل في إعرابه غير هذا .
هامش
( 1 ) مثل لحاتم الطائي ، انظر ديوانه ( 26 ) .