تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
والصدور . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه : ( أول ما تفقدون من دينكم : الأمانة ، وآخر ما تفقدون الصلاة ، وليصلين قوم ولا دين لهم . وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شئ . فقال رجل : كيف ذلك ، وقد أثبتناه في قلوبنا ، ودونّاه في مصاحفنا ، وعلمناه أبناءنا ، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم ؟ ! فقال : يسرى عليه ، ليلا ، فيصبح الناس منه فقراء ، ترفع المصاحف ، وينزع ما في القلوب ) « 1 » .
ثُمَّ
إن رفعناه
لا تَجِدُ لَكَ بِهِ
أي : القرآن
عَلَيْنا وَكِيلًا
أي : من يتوكل علينا استرداده مسطورا محفوظا ،
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
؛ فإنها إن تأتك لعلها تسترده ، أو : لكن رحمة من ربك أمسكته ؛ فلم يذهب .
إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
، كإرسالك للناس كافة ، وإنزال الكتاب عليك ، وإنعامه في حفظك ، وغير ذلك مما لا يحصى . ثم نوّه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
، واتفقوا
عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة ، وحسن النظم ، وكمال المعنى ،
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
أبدا ؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية ، والبراهين الواضحة ، والمعاني العجيبة ، التي لم يكن لأحد بها علم ، ثم جاءت فيه على الكمال ، ولذلك عجزوا عن معارضته . وقال أكثر الناس : إنما عجزوا عنه ؛ لفصاحته ، وبراعته ، وحسن نظمه . ووجوه إعجازه كثيرة . وإنما خص الثقلين بالذكر ؛ لأن المنكر كونه من عند اللّه منهما ، لا لأنّ غيرهما قادر على المعارضة . وإنما أظهر في محل الإضمار ، ولم يقل : لا يأتون به ؛ لئلا يتوهم أن له مثلا معينا ، وإيذانا بأن المراد نفى الإتيان بمثل ما ، أي : لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة ، وفيهم العرب العاربة ، أرباب البراعة والبيان . فلا يقدرون على الإتيان بمثله
وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
أي : ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا . وهو عطف على مقدر ، أي : لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض ، ولو كان . . إلخ . ومحله النصب على الحالية ، أي : لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ، ولو على هذه الحالة . ثم قال تعالى :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
أي : كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة ، توجب زيادة تقرير وبيان ، ووكادة رسوخ واطمئنان ،
لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ
المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة ،
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
؛ من كل معنى بديع ، هو ، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس ، كالمثل ؛ ليتلقوه بالقبول ، أو بيّنّا لهم كل شئ محتاجون إليه من العلوم النافعة ، والبراهين القاطعة ، والحجج الواضحة . وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( باب في الأمانات . . / 5273 ) ببعض الاختصار ؛ موقوفا .