تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
خلق آدمي أحضر روحه ، فصور صورته بصورة الروح ؛ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام ؛ إشارة وإبهاما : « خلق اللّه آدم على صورته » . ه . قلت : يعنى : أن إظهار الروح من بحر الجبروت ، في التجلي الأول ، كان على صورة آدم ، ثم خلق آدم على صورة الروح الأعظم ، وهو التجلي الأول من بحر المعاني ، فكانت أول التجليات من ذات الرحمن ، فقال في حديث آخر : « إن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن » . واللّه تعالى أعلم . وقيل : الصوت الطيب روحاني ، ولتشاكله مع الروح ، صار يهيج الروح ويحثها للرجوع لأصلها ، إذا كان صاحبها له ذوق سليم ، يسمع من صوت طيب كريم . سمع أبو يزيد نغمة ، فقال : أجد النغم نداء منه تعالى . وقيل : إن الروح لم تدخل في جسد آدم إلا بالسماع ، فصارت لا تخرج من سجنه إلا بالسماع . واللّه تعالى أعلم . ثم بيّن قوله :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 86 إلى 89 ]

وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 ) قلت : قال ابن جزى : هذه الآية متصلة المعنى بقوله :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
أي : في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك ، فلا يبقى عندكم شئ من العلم . ه . ( إلا رحمة ) : يحتمل أن يكون متصلا ، أي : لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك . أو منقطعا ، أي : لو شئنا لذهبنا بالقرآن ، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب ، و ( لا يأتون ) : جواب القسم ؛ الدال عليه اللام الموطئة ، وسد مسد جواب الشرط . ولولا اللام لكان جوابا للشرط ، ولم يجزم ؛ لكون الشرط ماضيا ، كقول زهير :
فإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول لا غائب ما لي ولا حرم « 1 »
و ( إلا كفورا ) : استثناء مفرغ منصوب بأبى ؛ لأنه في معنى النفي ، أي : ما رضى أكثرهم إلا الكفر به . يقول الحق جل جلاله :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
أي : بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أوتيتموها ، ومقتبس الأنوار ، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلا . والمراد بالإذهاب : المحو من المصاحف
هامش
( 1 ) انظر ديوانه / 91 .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 230 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان