تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه ، وهو : أن اللّه ، سبحانه ، وضع هذا الروح في هذه الجثة الجثمانية ، لطيفة لاهوتية ، في كثيفة ناسوتية ، دالة على وحدانيته تعالى وربانيته ، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه : الأول : أن هذا الهيكل الإنسانى لمّا كان مفتقرا إلى محرك ومدبر ، وهذا الروح هو الذي يدبره ويحركه ، علمنا أن هذا العالم لا بد له من محرك ومدبر . الثاني : لمّا كان مدبر الجسد واحدا ؛ علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره وتقديره . قال تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
« 1 » ، الثالث : لمّا كان لا يتحرك هذا الجسم إلا بتحريك الروح وإرادته ؛ علمنا أنه لا يتحرك بخير أو شر إلا بتحريك اللّه وقدرته وإرادته . الرابع : لمّا كان لا يتحرك في الجسد شئ إلا بعلم الروح وشعورها ، لا يخفى على الروح من حركة الجسد شئ ، علمنا أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . الخامس : لمّا كان هذا الجسد لم يكن فيه شئ أقرب إلى الروح من شئ ؛ علمنا أنه تعالى قريب إلى كل شئ ، ليس شئ أقرب إليه من شئ ، ولا شئ أبعد إليه من شئ ، لا بمعنى قرب المسافة ؛ لأنه منزه عن ذلك . السادس : لمّا كان الروح موجودا قبل الجسد ، ويكون موجودا بعد عدمه ؛ علمنا أنه تعالى موجود قبل خلقه ، ويكون موجودا بعد عدمهم ، ما زال ، ولا يزال ، وتقدس عن الزوال . السابع : لمّا كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ؛ علمنا أنه تعالى مقدس عن الكيفية . الثامن : لمّا كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ولا أينية ، بل الروح موجود في سائر الجسد ، ما خلا منه شئ في الجسد . كذلك الحق سبحانه موجود في كل مكان ، وتنزه عن المكان والزمان . التاسع : لمّا كان الروح في الجسد لا يحس ولا يجس ولا يمس ، علمنا أنه تعالى منزه عن الحس والجس والمس . العاشر : لمّا كان الروح في الجسد لا يدرك بالبصر ، ولا يمثل بالصور ، علمنا أنه تعالى لا تدركه الأبصار ، ولا يمثل بالصور والآثار ، ولا يشبه بالشموس والأقمار ،
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 2 » . ه . وحديث « من عرف نفسه . . . » إلخ ، قال النووي : غير ثابت ، وقال السمعاني : هو من كلام يحيى ابن معاذ الرازي . واللّه تعالى أعلم . وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح ، أمخلوقة هي ؟ قال : نعم . ولولا ذلك لما أقرت بالربوبية حتى قالت : « بلى » . قلت : لما انفصلت عن الأصل كستها أردية العبودية ، فأقرت بالربوبية . وقال الورتجبي : الروح : شعاع الحقيقة ، يختلف آثارها في الأجساد . قال : ومن خاصيتها أنها تميل إلى كل حسن ومستحسن ، وكل صوت طيب ، وكل رائحة طيبة ؛ لحسن جوهرها وروح وجودها ، ظاهرها غيب اللّه ، وباطنها سر اللّه ، مصورة بصورة آدم ، فإذا أراد اللّه
هامش
( 1 ) من الآية 22 من سورة الأنبياء . ( 2 ) من الآية 11 من سورة الشورى .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 229 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان