تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
قلت :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
: معترض بين الشرط ، وهو :
إِذا
وجوابه ، وهو :
قالُوا
؛ لتوبيخ الكفار ، والتنبيه على فساد سندهم . و
هُدىً وَبُشْرى
: عطف على :
« لِيُثَبِّتَ »
. يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
؛ بأن نسخنا الأولى ؛ لفظا أو حكما ، وجعلنا الثانية مكانها ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
من المصالح ، فلعل ما يكون في وقت ، يصير مفسدة بعده ، فينسخه ، وما لا يكون مصلحة حينئذ ، يكون مصلحة الآن ، فيثبته مكانه . فإذا نسخ ، لهذا المصلحة ،
قالُوا
أي : الكفرة :
إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
: كذاب متقوّل على اللّه ، تأمر بشئ ثم يبدو لك فتنهى عنه ، قال تعالى :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
حكمة النسخ ولا حقيقة القرآن ، ولا يميزون الخطأ من الصواب .
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
يعنى : جبريل . والقدس : الطهر والتنزيه ؛ لأنه روح منزه عن لوث البشرية . نزله
مِنْ رَبِّكَ
ملتبسا
بِالْحَقِّ
: بالحكمة الباهرة ، أو مع الحق في أمره ونهيه وإخباره ، أو أنزله حقا ،
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا
على الإيمان ؛ لأنه كلام اللّه ، ولأنهم إذا سمعوا الناسخ والمنسوخ ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح ، رسخت عقائدهم ، واطمأنت قلوبهم .
وَ
أنزله
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
المنقادين لأحكامه ، أي : نزله ؛ تثبيتا وهداية وبشارة للمسلمين .
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
يعنون : غلاما نصرانيا اسمه : جبر ، وقيل : يعيش . قيل : كانا غلامين ، اسم أحدهما : جبر ، والآخر يسار ، وكانا يصنعان السيوف ، ويقرآن التوراة والإنجيل ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يجلس إليهما ، ويدعوهما إلى الإسلام ، فقالت قريش : هذان هما اللذان يعلمان محمدا ما يقول . قال تعالى في الرد عليهم :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ
أي : لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه ، وينسبون إليه تعليم القرآن ، أعجمي ،
وَهذا
القرآن
لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
؛ ذو بيان وفصاحة . قال البيضاوي : والجملتان مستأنفتان ؛ لإبطال طعنهم ، وتقريره يحتمل وجهين ؛ أحدهما : أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم ، والقرآن عربى تفهمونه بأدنى تأمل ، فكيف يكون ، - أي : القرآن - ما تلقفه منه ؟ وثانيهما : هب أنه تلقف منه المعنى باستماع كلامه ، لكن لم يتلقف منه اللفظ ؛ لأن ذلك أعجمي وهذا عربى ، والقرآن ، كما هو معجز باعتبار المعنى ، معجز باعتبار اللفظ ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة ، فكيف يعلم جميع ذلك من غلام سوقي ، سمع منه ، بعض أوقات ، كليمات عجمية ، لعله لم يعرف معناها ؟ ! فطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم . ه . الإشارة : كما وقع النسخ في وحي أحكام ، يقع في وحي إلهام ؛ فقد يتجلى في قلب الولي شئ من الأخبار الغيبية ، أو يأمر بشئ يليق ، في الوقت ، بالتربية ، ثم يخبر أو يأمر بخلافه ؛ لوقوع النسخ أو المحو ، فيظن من لا معرفة له بطريق الولاية أنه كذب ، فيطعن أو يشك ، فيكون ذلك قدحا في بصيرته ، وإخمادا لنور سريرته ، إن كان داخلا تحت تربيته . واللّه تعالى أعلم .