تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء - عليهم السلام - تسلية لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وتتميما لقوله : ( فلعلك تارك ) ، ( وضائق ) . فقال :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 25 إلى 27 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 25 ) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 26 ) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 27 ) قلت : من قرأ : إني ؛ بالكسر ، فعلى إرادة القول ، ومن قرأ بالفتح ، فعلى إسقاط الخافض ، أي : بأنى ، و ( بادي الرأي ) : ظرف ل ( اتبعك ) ، على حذف مضاف أي : وقت حدوث أول رأيهم . وهو من البدء أي : الحدوث ، أو من البدوّ ، أي : الظهور . أي : اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر . يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
فقال لهم :
إِنِّي لَكُمْ
، أو بأنى لكم
نَذِيرٌ مُبِينٌ
أي : بين ظاهر ، أو أبين لكم موجبات العذاب ، ووجه الخلاص منه ، قائلا :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
، ولا تعبدوا معه غيره ،
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
؛ مؤلم ، وهو في الحقيقة صفة للعذاب ، ووصف به زمانه على طريقة [ جدّ جدّه ، ونهاره صائم ] ؛ للمبالغة .
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
؛ لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة ،
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
؛ أخساؤنا وسقاطنا ؛ جمع أرذل .
بادِيَ الرَّأْيِ
؛ من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر ، أي : اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو . أو ظاهرا رأيهم خفيفا عقلهم . وإنما استرذلوهم ، لأجل فقرهم ، جهلا منهم ، واعتقادا أن الشرف هو المال والجاه . وليس الأمر كذلك . بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة ، ومعرفة الحق . وقيل : إنهم كانوا حاكة وحجامين . وقيل : أراذل في أفعالهم ، لقوله :
وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 1 » . ثم قالوا :
وَما نَرى لَكُمْ
أي : لك ولمتبعيك
عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
يؤهلكم للنبوءة ، واستحقاق المتابعة .
بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ
؛ أنت في دعوى النبوءة ، وهم في دعوى العلم بصدقك . فغلب المخاطب على الغائبين .
هامش
( 1 ) الآية 112 من سورة الشعراء .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 522 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان