والحاصل : أن البينة أمر باطني ، وهي : المعرفة ، إما بالبرهان ، أو بالعيان ، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر ، فيتفق ما أدركه العقل أو الذوق مع ما أفاده النقل ، فتتفق الحقيقة مع الشريعة . كلّ في محله ، الباطن منور بالحقائق ، والظاهر مؤيد بالشرائع . وهذا غاية المطلوب والمرغوب . رزقنا اللّه من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه .
ثم ذكر وعيد من كذب بها فقال :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 18 إلى 24 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 18 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ( 20 ) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 21 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 22 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 23 ) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 )
قلت : ( مثلا ) : تمييز .
يقول الحق جل جلاله :
وَمَنْ أَظْلَمُ
أي : لا أحد أظلم
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
؛ بأن أسند إليه مالم يقله ، وكذب بما أنزله ، أو نسب للّه ما لا يليق بجلاله .
أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ
يوم القيامة ، بأن يحبسوا في الموقف ، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد ،
وَيَقُولُ الْأَشْهادُ
من الملائكة والنبيين ، أو كل من شهد الموقف :
هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ ، لظلمهم بالكذب على اللّه ، ورد الناس عن طريق اللّه .
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
؛ عن دينه ،
وَيَبْغُونَها عِوَجاً
؛ يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب .
أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر ، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها .
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
أي :
والحال أنهم كافرون بالبعث . وتكرير الضمير ؛ لتأكيد كفرهم واختصاصهم به .