تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
ثم قال :
وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
أي : ولا أقول : إني أعلم الغيب ، فأعلم من أصحابي ما يسترونه عنى في نفوسهم ، فسبيلى قبول ما ظهر منهم . أو : لا أعلم أنهم اتبعوني في بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب
وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ
حتى تقولوا : ما نراك إلا بشرا مثلنا .
وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ
أي : تحتقرهم . من زريت على الرجل : قصرت به . قلبت تاؤه دالا ؛ لتجانس الزاي للتاء « 1 » ، والمراد بهم ضعفاء المؤمنين ، أي : لا أقول في شأن من احتقرتموهم ، لفقرهم :
لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً
؛ فإنّ ما أعد اللّه لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا .
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ
من خير أو غيره .
إِنِّي إِذاً
أي : إن قلت شيئا من ذلك ،
لَمِنَ الظَّالِمِينَ
. قال البيضاوي : وإسناده إلى الأعين ؛ للمبالغة ، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية ، مما عاينوه من رثاثة حالهم وقلة منالهم ، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم . وقال أيضا : وإنما استرذلوهم لفقرهم ؛ لأنهم لمّا لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الأحظ « 2 » بها أشرف عندهم ، والمحروم منها أرذل . ه . الإشارة : لا يشترط في وجود الخصوصية ظهور الكرامة ؛ فقد تظهر الكرامة على من لم تكمل له الاستقامة ، فلا يشترط فيه الاطلاع على خزائن الغيوب ، وإنما يشترط فيه التطهير من نقائص العيوب ، لا يشترط فيه الإنفاق من الغيب ، وإنما يشترط فيه الثقة بما ضمن له في الغيب . واللّه تعالى أعلم . ثم استعجلوا العذاب ، كما قال تعالى :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 32 إلى 34 ]

قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) قلت :
إِنْ أَرَدْتُ
: شرط حذف جوابه ؛ لتقدم ما يدل عليه ، وكذا ( إن كان اللّه يريد أن يغويكم ) ، والتقدير : إن كان اللّه يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم . أي : فكذلك . فهو من تعليق الشرط ، كقولك : إن دخلت الدار ، إن كلمت زيدا ، فأنت طالق . فلا تطلق إلا بهما ، ثم استأنف : ( هو ربكم ) . يقول الحق جل جلاله :
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا
: خاصمتنا
فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
: خصامنا ومخاطبتنا ،
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
من العذاب ،
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
في الدعوى والوعيد ، فإن مناظرتك
هامش
( 1 ) لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة ، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها . ( 2 ) في الأصول : ( اللاحظ لها ) . والمثبت هو الذي في تفسير البيضاوي .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 525 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان