تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ
أي : ما كانوا ليعجروا اللّه في الدنيا أن يعاقبهم . بل هو قادر على ذلك ، وأخرهم ليوم الموعود ، ليكون أشد وأدوم .
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ
يمنعونهم من العقاب ،
يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ
بسبب ما اتصفوا به ، كما ذكره بقوله :
ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ
؛ لتصاممهم عن الحق ، وبغضهم أهله .
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة اللّه ،
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
من أن الأصنام تشفع لهم ، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا ، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة .
لا جَرَمَ
لا شك ، أو لا بد
أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
: فلا أحد أكثر خسرانا منهم ؛ حيث حرموا النعيم المخلد ، واستبدلوه بالعذاب المؤيد . ثم ذكر ضدهم فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا
، أي : اطمأنوا أو خشعوا ، أو تابوا
إِلى رَبِّهِمْ . أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
؛ دائمون .
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ
المتقدمين ؛ فريق الكافر ، وفريق المؤمن :
كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
، فمثل الكافر كمن جميع بين العمى والصمم ، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر . فالواو لعطف الصفات ، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط ، وبمن هو أصم فقط ، والمؤمن بضدهما ، فهو تمثيل للكافرين بمثالين ، قاله ابن جزى . وقال البيضاوي : يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى ؛ لتعاميه عن آيات اللّه ، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام اللّه ، وتأبيه عن تدبره معانيه . وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير ؛ لأن أمره بالضد ، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين . أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم ، والمؤمن بالجامع بين ضديهما ، والعاطف لعطف الصفة على الصفة ، كقوله : فالأيب الصّابح فالغانم « 1 » فهذا من بيان اللف والطباق . ه .
هَلْ يَسْتَوِيانِ
: هل يستوى الفريقان ؟
مَثَلًا
؛ أي : من جهة التمثيل ، بل لا استواء بينهما ،
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
؛ تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم . الإشارة : كل من ترامى على مراتب الرجال ، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه ، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه ، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، ويقال له :
هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ . . .
الآية . فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين . وقد تقدم أمارات من كان على بنية من ربه ، فمن أدعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادت عليه الآية .
هامش
( 1 ) في الأصول : ( القائم والصالح والأديب ) . والمثبت هو الذي في البيضاوي . والشاهد فيه عطف صفات موصوف واحد بالفاء .