تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
أهلكتمونى وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري .
ثُمَّ اقْضُوا
أي : أنفذوا قضاءكم
إِلَيَّ
فيما تريدون . وقرأ السرى بن ينعم : « أفضوا » بالفاء وقطع الهمزة ، أي : انتهوا إلىّ بشرّكم ،
وَلا تُنْظِرُونِ
: ولا تمهلون .
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
: أعرضتم عن تذكيري ،
فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ
يوجب توليكم وإعراضكم لثقله عليكم . واتهامكم إياي لأجله ، أو يفوتني إذا توليتم عنى ،
إِنْ أَجْرِيَ
: ما ثوابي على الدعوة والتذكير
إِلَّا عَلَى اللَّهِ
لا تعلق لي بشئ دونه ، آمنتم أو توليتم ،
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
المنقادين لحكمه ، لا أخالف أمره ، ولا أرجو غيره .
فَكَذَّبُوهُ
: فأصروا على تكذبيه بعد إلزامهم الحجة ، وتبين أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمرّدهم فلا جرم حقت عليهم كلمة العذاب ، فهلكوا بالغرق ،
فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ
آمن
مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
، وكانوا ثمانين ،
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
عمروا الأرض بعد الهالكين وخلفوهم فيها ، ولم يعقب منهم إلا أولاد نوح عليه السّلام ،
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
بالطوفان ،
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
، تعظيم لما جرى عليهم ، وتحذير لمن كذب الرسول ، وتسلية له . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : لا يكون الرجل كامل اليقين حتى يسقط من قلبه خوف المخلوقين ، فلا يبالي بهم ولو أجمعوا على كيده ، إذ ليس بيدهم شئ ، وإنما أمرهم بيد اللّه ، ويقول لهم كما قال نوح عليه السّلام : ( فأجمعوا أمركم وشركاءكم . ) وكما قال هود عليه السّلام :
فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
« 1 » . وفي الحديث : « لو اجتمع الخلق كلهم على أن يضرّوك بشئ لم يضرّوك إلّا بشئ قدّره اللّه عليك ، جفّت الأقلام وطويت الصّحف » . وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يكمل إيمان العبد حتّى يكون الناس عنده كالأباعد » ، يعنى : لا يهابهم ولا يراقبهم . وبالله التوفيق . ثم ذكر ما بين نوح وموسى - عليهما السلام - من الأنبياء ، على سبيل الإجمال ، فقال :

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 74 ]

ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 )
هامش
( 1 ) الآيتان 55 - 56 من سورة هود .